فى كل عام وعندما تحل ذكرى تاريخ إحدى الحروب العربية الإسرائيلية يمكن تبين الحرص الشديد من الأجهزة الإعلامية والدعائية الإسرائيلية على تأكيد مزاعم انتصار إسرائيل انتصارًا مؤزرًا على الجيوش العربية فى جميع الحروب التى خاضتها فى مواجهتها، والخطير فى الأمر أن ذلك يتم فى الوقت الراهن ببث وتأكيد ذلك الزعم وإدراجه فى قواعد البيانات العالمية ومصادرها، بحيث يصبح ذلك الزعم حقيقة مؤكدة ثابتة لا جدال بشأنها.
والمؤسف فى هذا الشأن أن يتم تجاهل ذلك التوجه رغم خطورته الشديدة على الإدراك والوعى الوطنى لأبنائنا وأجيالنا ممن لم يعاصروا تلك الحروب، وباتوا يعرفونها فقط عن طريق محركات البحث وقواعد البيانات ووسائل التواصل ومواقعها، وهى جميعها متخمة بقدر هائل من المعلومات التى تتباين من المزيف والملفق والمزور لصياغة سردية كاذبة تخدم الكيان الصهيونى.
إن الحقيقة المؤكدة أنه منذ بداية الصراع العربى الإسرائيلى وإلى اليوم لم يكن العرب، وفى مقدمتهم مصر، يخوضون الحرب فى مواجهة إسرائيل وحدها، بل فى مواجهة منظومة دولية كاملة اجتمعت على دعم وتأسيس ذلك الكيان ووجوده بكل ما يمكن تصوره من أفضل وأحدث القدرات العسكرية والاسناد السياسى والدعم الاقتصادى، وهى منظومة قادت فيها بريطانيا مرحلة التأسيس، بينما تقود الولايات المتحدة فيها مرحلة التثبيت والاستمرار والتوسع والهيمنة إلى اليوم.
• • •
الحروب العربية الإسرائيلية التى بدأت بحرب فلسطين 1948، التى اندلعت بعد أن إعلان بريطانيا إنهاء الانتداب على فلسطين، تاركة عن عمد مخازنها للسلاح والذخائر للعصابات الصهيونية، ليضيفوها إلى الكميات الهائلة من الأسلحة والذخائر التى أدخلها إلى فلسطين على مرأى ومسمع من السلطات البريطانية وبتواطؤ منها، ومن أهمها الصفقة المبرمة مع تشيكوسلوفاكيا بموافقة ستالين والاتحاد السوفييتى بموجب عملية بالاك التى تضمنت توريد 25 طائرة مقاتلة Avia S-199، و61 طائرة مقاتلة من طراز Supermarine Spitfire 34 ألف بندقية Mauser P-18 و50 مليون رصاصة و7000 مدفع رشاش.
فى الولايات المتحدة، تعاونت المنظمات الصهيونية مع عملاء الهاجاناه على شراء ثلاثة قاذفات من طراز Boeing B-17 Flying Fortress بالإضافة إلى عدد من طائرات النقل طراز Curtiss C-46 Commando وعشرات من مركبات القتال نصف المجنزرة التى صدرت من الولايات المتحدة باعتبارها معدات زراعية تحت اسم عملية شويمر، كما شملت تلك العملية أيضًا تجنيد عدد من الطيارين الأمريكيين، وكذلك تدريب الطيارين اليهود فى الولايات المتحدة، وفى أوروبا جمع عملاء عصابات الهاجاناه كل ما أمكنهم الوصول إليه وشراؤه من السلاح والعتاد التى تراكمت بعد الحرب العالمية الثانية.
آنذاك كانت البلاد العربية ترزخ فعليًا تحت الاحتلال البريطانى والفرنسى، وباستثناءات مقيدة كانت سلطات الاحتلال تسمح لتلك البلاد بتكوين جيوش محدودة العدد ومقيدة السلاح والعتاد إلى حد كبير، ومسلحة بأسلحة متقادمة محدودة المستوى، رغم ذلك هرعت الدول العربية لإنقاذ فلسطين قدر استطاعتها فأرسلت مصر 10 آلاف جندى، واجتمع من كل الدول العربية وفلسطين 20 ألف جندى، وفى المقابل اجتمعت للقوات الصهيونية المشكلة من منظمات إتسل والهاجاناه وليحى (شتيرن) والبالماخ والإرجون قرابة 48 ألف جندى، انضم إليهم 42 ألف مجند بموجب التعبئة الصهيونية العامة وقت الحرب، كما انضم إليهم 20 ألف متطوع من يهود أوروبا، وهكذا بلغ تعداد القوات الصهيونية قرابة 110 آلاف جندى، مدججين بالسلاح والعتاد الذى تم تكديسه طوال فترة الانتداب البريطانى، فضلًا عن الأسلحة التى تدفقت عليهم من بريطانيا وتشيكوسلوفاكيا والولايات المتحدة ومختلف أنحاء أوروبا.
رغم فارق العدد والتسليح واصلت القوات العربية قتالها البطولى ضد العصابات الصهيونية، واستمرت المعارك على هذا النحو حتى تدخّل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفرض وقف إطلاق النار فى 10 يونيو 1948، وتضمن هذا القرار حظر تزويد أى من أطراف الصراع بالأسلحة، لكن هذا الحظر فعليًا كان نافذًا فقط على البلاد العربية، أما الكيان الصهيونى فقد استمر تدفق السلاح إليه من كل حدب وصوب.
هذه إذن هى الحرب العـربية الإسرائيلية الأولى التى تم تأسيس الكيان الصهيونى بموجبها بجهود كل القوى الكبرى والاستعمارية والدول الأوروبية والمنظمات الصهيونية دون استثناء، ولولا هؤلاء وما فعلوه ما كان لذلك أن يتحقق قط، والذى انتصر فى تلك الحرب كان الدول والكيانات والمنظمات التى رعت ذلك الكيان اللقيط الغاصب.
• • •
وعلى ذات النمط تأتى حرب 1956 والتى تزعم أيضًا إسرائيل أنها انتصرت فيها، ولم تكن تلك الحرب إلا مؤامرة خسيسة كانت إسرائيل فى ذيل المتآمرين فيها، وهما بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا آنذاك تلفظان أنفاسهما الأخيرة كقوتين استعمارتين عفا عليهما الزمان، لكنهما كانتا تضمران الحقد على مصر التى كانت قد أممت قناة السويس، وانتهجت سياسة دعم الثورة الجزائرية وحركات التحرر الإفريقى ، وعليه فقد وقعت الدول المتآمرة بروتوكول "سيفرز" لغزو واحتلال منطقة قناة السويس.
حرب 1956 التى تدعى إسرائيل أنها انتصرت فيها، لم تكن فيها إسرائيل سوى الذيل لبريطانيا وفرنسا التى حشدت قواتها ضد مصــر بقوات ضمت 7 حاملات طائرات، 8 طرادات، 20 مدمرة، 20 فرقاطة، 9 غواصات، 22 زورق طوربيد، 134 سفينة، وقوات جوية ضمت 28 سرب مقاتلات، 25 سرب قاذفات مقاتلة، 23 سرب قاذفات، 19 سرب طائرات نقل جوى، 10 أسراب طائرات استطلاع، سرية هليكوبتر اقتحام، 5 أسراب إمداد جوى واتصال، قوات برية ضمت 38 لواء، 750 دبابة، 2510 مدافع، وبالطبع وفى ظل تلك الحشود المعادية الضخمة وخشية تشتت قوات الجيش المصرى فى سيناء وإمكانية حصارها وعزلها فقد صدرت الأوامر لها بالتراجع إلى غرب القناة.
ومع تطور الأحداث واستبسال المقاومة الشعبية فى بورسعيد، وصلابة الموقف المصرى، مع الشجب والاستنكار العالميين للعدوان الثلاثى الذى فشل فشلًا ذريعًا، وانتهى بمغادرة آخر جندى من القوات البريطانية والفرنسية الأراضى المصرية فى 22 ديسمبر 1956، وانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع غزة فى 6 مارس 1957، وبرغم ذلك تسجل السردية الإسرائيلية هذا التاريخ على أنه انتصار لها.
• • •
ثم نأتى إلى أحداث يونيو 1967، والتى لم تكن أيضًا فى تقدير العديد من الخبراء العسكريين حربًا بالمعنى المعروف للحروب، بقدر ما كانت عملية عسكرية إسرائيلية ارتكزت على القصف الجوى للقواعد والمطارات، وفى ظل حالة مؤسفة من التخبط المروع والإهمال الجسيم من عبدالحكيم عامر المسئول آنذاك، فقد قام بإصدار قراره الكارثى بالانسحاب العام الأمر الذى فتح المجال لاحتلال جيش العدو الإسرائيلى لسيناء.
رغم النجاح الذى حققته إسرائيل فى يونيو 1967، فإن مجرياتها ووصف أحداثها هى أقرب لاعتبارها عملية عسكرية ناجحة، وأبعد عن كونها حرب كاملة، فالجيش المصرى فى 1967 لم تتح له فرصة الحرب بعد صدور أمر الانسحاب، كما أن الجيش المصرى كان أكثر من نصف قواته تحارب فى اليمن منذ سنوات، كما أن الجيش المصرى لم يكن لديه من السلاح نصف ما كان لإسرائيل من قدرات تسليحية تمثل أحدث ما صنعته الترسانات العسكرية الأمريكية والأوروبية كمًا وكيفًا.
والأهم والأخطر من كل ما سبق، أن أحداث يونيو 1967 لم تسفر عن انكسار أو إضعاف أو خضوع الإرادة السياسية لمصر فى تلك اللحظات العصيبة، فأعلنت مصر والدول العربية معها اللاءات الثلاث: لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض، وبذلك فقدت أحداث يونيو 1967 أثرها وزخمها السياسى، وهو أمر يعلمه جميع الخبراء الاستراتيجيون بأن الحرب جوهرها وهدفها النهائى هو التغلب على إرادة الخصم وإخضاعه، وهو الأمر الذى لم يتحقق لإسرائيل فى مواجهتها مع مصـر.
كانت ميادين القتال شاهد عيان على أن الإرادة الوطنية المصرية لم تُهزم فى يونيو 1967، وفى 1 يوليو 1967 حدثت معركة رأس العش البطولية على مشارف بورفؤاد، ولم تمضِ عدة شهور حتى كانت القوات البحرية المصرية قد أغرقت المدمرة الإسرائيلية إيلات أمام سواحل بورسعيد فى 21 أكتوبر 1967، وفى 8 مارس 1969، أعلن الرئيس عبدالناصر قيام حرب الاستنزاف رسميًا، بالقصف المدفعى الشامل على المواقع الإسرائيلية والغارات والهجمات على مواقعه، والبدء فى إعداد الخط جرانيت 1 وجرانيت 2 وبناء حائط الصواريخ العظيم.
• • •
إن جزءًا مهمًا من الحرب العقلية والنفسية التى تخوضها إسرائيل فى مواجهتنا ومواجهة أبنائنا وأجيالنا تتعلق بسردية الصراع بيننا وبينهم، وهو ما لا يجب أن نسمح لهم به، تأييدًا للحقيقة التى يريدون صياغتها بمعرفتهم ووفق مصالحهم، وحماية لتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا وأجيالنا من عدو لدود يسعى للتلاعب بحقائق التاريخ وصياغتها وفق رؤيته وأطماعه.