فى هذا المقال الرابع والأخير ضمن سلسلة مقالات تناولنا فيها ما تواجهه القارة الأوروبية حاليا من تحديات، وخلفياتها وآفاقها، نركز على البعدين الاجتماعى والثقافى فيما تمر به الدول الأوروبية من أزمات واختيارات وبدائل فى الوقت الراهن وبما يؤثر على مستقبلها على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
ولا شك أن القارة الأوروبية تشهد حالة، اعتبرها الكثيرون، ولا يزال يعتبرها البعض، سواء من داخل القارة أو من خارجها، مصدر ثراء لها، وهى درجة متقدمة من التنوع الثقافى واللغوى والدينى، بالإضافة إلى تعدد الانتماءات العرقية والأصول القومية، وكذلك اختلاف العادات والتقاليد والنظم السياسية فيما بين دولها، حتى فى فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ومع تبنى كل دولها للتعددية الحزبية والديمقراطية الليبرالية بدا وجود اختلافات فى التطبيق ما بين حالة وأخرى. وبالرغم من درجة تقدمها الاقتصادى وجهودها الحثيثة لتحقيق وحدتها، فإن أوروبا تواجه عدة توترات اجتماعية وهواجس ثقافية تؤثر على الحياة اليومية لمواطنيها وعلى العلاقات فيما بينهم، ويتأثرون بها.
كما تتأثر هذه التوترات والهواجس بالأوضاع الاقتصادية وتؤثر بدورها على الأوضاع السياسية، كما رأينا فى الكثير من المناسبات، خاصة على مدى العقود الثلاثة ونصف العقد الماضية، أى ما بعد انتهاء الحرب الباردة والتوقيع على معاهدة «ماستريخت» التى أنشأت الاتحاد الأوروبى، ثم ما مر به الاتحاد من توسعات فى عضويته.
ونتجت هذه التوترات الاجتماعية والهواجس الثقافية فى أغلب الأحوال عن وجود تباين فى المصالح وفى المنظومات القيمية وفى تعريف الهوية وفى الانتماءات العقائدية وفى التوقعات وفى كيفية إدارة المجتمع، من قبل الجماعات البشرية التى تشكل السكان فى كل دولة من دول القارة وفى القارة فى مجملها. كذلك لا يجب أن ننسى أن هناك أطرافاً داخلية وخارجية، سواء من داخل القارة أو من خارجها، قد تكون لديها مصالح فى تأجيج تلك التوترات الاجتماعية والثقافية، سواء من منطلق إعاقة تقدم القارة نحو تحقيق وحدتها وتقدمها، أو لمعاقبة القارة على تبنى مواقف معينة إزاء قضايا دولية وإقليمية بعينها.
ولا جدال أنه فى مقدمة تلك القضايا التى تعكس وجود توترات اجتماعية وهواجس ثقافية جدية فى أوروبا هى قضية الهجرة وما يرتبط بها من مسألة الاندماج الوطنى لكل من دول القارة على حدة ولمجمل القارة بشكل عام. فالهجرة الخارجية ساهمت تقليديا فى زيادة التنوع العرقى والثقافى فى الكثير من الدول الأوروبية. ولا يجب أن نغفل عن حقيقة أن تلك الهجرة بدأت فى مراحل تاريخية مبكرة لتوفير عمالة فى مجالات تحتاجها الدول الأوروبية. ولقد واجه المهاجرون إلى القارة تقليدياً بعض الصعوبات فى تحقيق الاندماج فى المجتمعات المحلية داخل دول القارة التى استقر بهم المقام فيها، بما فى ذلك عائق اللغة، والمعاناة أحيانا من الاستبعاد أو التهميش الاجتماعى، أو من التمييز، ثم فى مراحل لاحقة تاريخيا وزمنيا المعاناة أحيانا من البطالة.
ولم تتوقف فى أى مرحلة حالة الجدل الوطنى داخل كل مجتمع أوروبى، أو على مستوى القارة ككل، حول السياسات المتعلقة بالهجرة الشرعية، وجهود السيطرة على الحدود للحد من الهجرة غير الشرعية، والعلاقة المعقدة بين مسألتى الهجرة واللجوء، ومسئوليات حكومات الدول الأوروبية فى هذا المجال. وتشهد معظم دول أوروبا منذ زمن ليس بالقليل، ولا تزال، اختلافات جذرية داخلية حول كيفية تحقيق معالجة ناجحة ومتوازنة فى التعامل مع كل من التنوع الثقافى والحفاظ على الهوية الوطنية.
وعلى مستوى العقائد الدينية، فبالرغم من الأصول التقليدية المسيحية لأوروبا، فإنها بمرور الأزمنة صارت تشهد حالة من التنوع فى الانتماء الدينى. إلا أنه فى بعض الأحوال فإن التناقض بين بعض معطيات العقائد الدينية وبين القيم العلمانية التى قامت عليها النهضة الأوروبية الحديثة منذ عصر النهضة ثم حركة الإصلاح الدينى فى أوروبا، أدى إلى حدوث توترات اجتماعية تولد عنها هواجس ثقافية أصبح المواطن الأوروبى يشعر بها بشكل يومى فى حياته. ويدخل فى هذا الإطار موضوعات مثل ارتباط بعض الأزياء وأنواع وأشكال الملبس بالعقائد الدينية، وكذلك إشكالية تحديد ضوابط العلاقة بين احترام العقائد الدينية وضمان حماية حرية التعبير، وتأثير التعليم الدينى على التعليم العام باعتبار الأخير أحد أهم آليات تحقيق الاندماج الوطنى. وتبقى مخاطر «الإسلاموفوبيا»، و«العداء للسامية»، ضمن السياق العام لأشكال متنوعة من التمييز، لتمثل هواجس ثقافية لدى الأقليات الدينية من المواطنين أو المقيمين فى دول أوروبا.
وعلى المستوى الأوروبى الأشمل، يبقى التناقض فى الشعور بالهوية والانتماء بين أولئك الذين يتمسكون بالهويات الوطنية لكل دولة أوروبية وبين من يسعى لإبراز والتركيز على الهوية الأوروبية المشتركة والانتماء إلى القارة ككل.
فهناك من الحركات القومية داخل غالبية دول القارة من تقاوم تحقيق المزيد من الاندماج الأوروبى، بل إن هناك حركات قومية داخل بعض الدول الأوروبية تسعى إلى تقسيم دول أوروبية قائمة إلى كيانات أصغر فى ظل مطالبتها بممارسة الحق فى تقرير المصير وتلبية طموحات تاريخية وطنية أو قومية. وكلنا نذكر حالة «بريكسيت»، أو خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبى، بعد ظهور نتائج الاستفتاء الذى تم فى صيف عام 2016، كدليل على استمرار وجود تحديات أمام حل الإشكالية الخاصة بالعلاقة بين السيادة الوطنية لكل دولة أوروبية وآفاق تعزيز وتعميق التعاون والاندماج الأوروبي.
ولكن التوترات الاجتماعية فى القارة الأوروبية لا تنتج فقط عن موضوعات الهجرة واللجوء والتنوع الدينى والهويات الوطنية، بل الكثير من جوانبها تنبع من الاعتبارات الاقتصادية التى أحيانا ما تبرز تباينات عرقية أو دينية أو قومية وتحولها إلى عنصر صراع بدلا من أن تكون عنصر ثراء فى تلك المجتمعات. فالفوارق الكبيرة فى بعض الأحيان فى الدخول، والتباين فى فرص الحصول على فرص العمل، والفجوات الكبرى فى بعض الحالات فى مستويات المعيشة، كلها عوامل تؤجج من التوترات الاجتماعية، سواء داخل كل مجتمع أوروبى أو فيما بين المجتمعات الأوروبية. ويعانى الشباب على وجه الخصوص بشكل متزايد فى عدد، يزيد عدده هذه الأيام، من المجتمعات الأوروبية من مشكلات تتعلق بالبطالة أو من عدم استقرار أو أمان فرص العمل، وكذلك معوقات فرص الحصول على سكن مناسب للحياة بشكل مستقل.
ثم إن هناك تلك الفجوة المستمرة، بالرغم من جهود حكومية فى العديد من الدول الأوروبية، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتقليلها، بين أوضاع الحضر وأوضاع الريف، والشكوى المستمرة من جانب أهل الريف فى حالات كثيرة من تجاهل الحكومات، القادم معظم أعضائها من المدن الكبرى، لمطالبهم بتحسين أوضاعهم المعيشية وتوفير الخدمات الاجتماعية لهم على مستوى لا يقل عما هو متوافر لسكان الحضر.
ولا جدال فى أن غياب العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص على المستوى الاجتماعى، تساهم، وإن كانت بدرجات متفاوتة من دولة أوروبية إلى أخرى، فى إيجاد حالة من الاستقطاب الاجتماعى، تؤدى بدورها، إلى حالة عدم رضا على الصعيد السياسى.
• • •
ونأتى إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية وهى طبيعة العلاقة بين الجنسين ومدى تلبية مطالب المرأة، ومناصرى المرأة من الرجال، فى تحقيق المساواة الكاملة مع الرجل فى المجتمعات الأوروبية. وهنا يتعين أن نتذكر أن هناك دولا أوروبية منحت حق التصويت للمرأة فقط فى العقد السابع من القرن العشرين، فى وقت كانت دول إفريقية وآسيوية قد منحت المرأة حق التصويت منذ العقد الثالث من نفس القرن. ولا ينكر أحد أن أوروبا حققت تقدماً كبيراً فى منح الكثير من الحقوق للمرأة وفى تبنى قوانين وإجراءات وسياسات على طريق تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فى النصف قرن المنقضي. إلا أن تحديات جمة لا تزال قائمة فى هذا المضمار يتعين التغلب عليها، وفى مقدمتها استمرار عدم المساواة فى الأجر بين الرجل والمرأة فى بعض الوظائف والأعمال، وعدم المساواة فى تولى المناصب القيادية السياسية والاقتصادية، وكذلك مشكلة العنف الذى تواجهه المرأة فى بعض الحالات وفى بعض المجتمعات الأوروبية. ولا يزال الجدل، ومن ثم الخلافات، قائمة فى أوروبا ما بين القوى الأيديولوجية والسياسية المختلفة، وما بين الأجيال المختلفة، حول «الحق فى الإجهاض»، وما يطلق عليه «القيم التقليدية الاجتماعية للأسر»، والتوقعات المتعلقة بالأدوار التى تلعبها المرأة فى المجتمع، وهى خلافات تعكس فى جوهرها اختلافات وتغيرات ثقافية عميقة طرأت على المجتمعات الأوروبية.
وعلى صعيد التوترات الاجتماعية والهواجس الثقافية، تبرز أيضا ظاهرة حدوث بعض التوترات أحيانا فيما بين الأجيال المختلفة. وكلنا نتذكر انتفاضات الشباب والطلاب فى أوروبا، وفى مناطق أخرى من العالم، فى عام 1968، وما أفضت إليه من تغييرات قيمية وثقافية وسياسية فى أوروبا منذ ذلك الوقت.
وفى الوقت الحاضر، توجد تباينات فيما بين الأجيال من الكبار ومن الشباب فى وجهات النظر إزاء موضوعات العمالة والتقدم التكنولوجى والحياة الأسرية والقيم الاجتماعية. وتبدو أجيال الشباب أكثر قلقاً من جراء غياب الشعور بالأمان الاقتصادى وصعوبات الحصول على سكن مناسب والنتائج المستقبلية السلبية لظاهرة تغير المناخ. وعلى جانب آخر، فإن أجيال الكبار تبدو أكثر قلقاً تجاه التوقعات المتعلقة بقيمة العمل والتقاليد والعادات الاجتماعية ومستحقات المعاش والتأمين الاجتماعى والصحى والرعاية من جانب الدولة فى فترة ما بعد التقاعد.
ولا يمكن أن نتناول التوترات الاجتماعية والهواجس الثقافية فى أوروبا من دون أن نتعرض إلى التحديات البيئية. فأحياناً ما تستعر الخلافات فيما بين منظمات المجتمع المدنى المدافعة عن البيئة وبين الحكومات وقطاعات الأعمال والعمال ونقاباتهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن المزارعين والنقابات التى تمثلهم، كثيراً ما يعترضون على إجراءات للحفاظ على البيئة تفرضها الحكومات، بحيث يرونها تمثل تهديداً لأنشطتهم الاقتصادية، ومن ثم على حياتهم ومستويات معيشتهم. كما أن التزام حكومات معظم الدول الأوروبية بالتحول نحو استهلاك مصادر طاقة متجددة ونظيفة يثير تساؤلات، بل وأحياناً مخاوف، مشروعة، إزاء التأثير على فرص العمل، وعلى أسعار الطاقة، ومن ثم على متطلبات العدالة الاجتماعية.
وفى الختام، فإنه لكى نفهم تداعيات التوترات الاجتماعية والهواجس الثقافية على الحالة السياسية الأوروبية، فمن المؤكد أن المجتمعات الأوروبية تشهد خلافات، بعضها جذرى، تتعلق بقضايا الهجرة واللجوء، والقيم الاجتماعية، والهوية الوطنية، والاندماج القومى، والأولويات الاقتصادية والسياسات البيئية. وتتقاطع هذه الخلافات مع الحدود فيما بين الأجيال والمجتمعات العرقية أو القومية أو الدينية المختلفة والطبقات الاجتماعية والاقتصادية. ويتعين ألا نغفل عن حقيقة أن بعض تجليات التقدم التكنولوجى، خاصة وسائل التواصل الاجتماعى، قد لعبت دورها فى نشر معلومات مغلوطة فى بعض الأحيان، ومن ثم ساهمت فى تعميق الخلافات العقائدية والأيديولوجية.