نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكى بمجلسيه، وسيطرة الديمقراطيين على مجلسى النواب والشيوخ تاريخية، وأغلب الظن أنها ستهز البيت الأبيض والداخل الأمريكى والعديد من عواصم العالم.
وتاليا مجموعة من الملاحظات السريعة على هذه الانتخابات:
الملاحظة الأولى: ما حدث هو هزيمة شخصية نكراء وقاسية للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أما تعليقه السريع بأن اسمه لم يكن مدونا فى بطاقات الاقتراع فهو لغو لا يعول عليه، والسؤال الاستنكارى هنا: ماذا كان سيقول ترامب إذا فاز الجمهوريون؟!!
المؤكد أن ترامب كان سيخرج ليقول: لولاى ما تحقق الفوز.
الملاحظة الثانية: الاقتصاد كان العامل الحاسم فى هذا الفوز الساحق، ومن المثير للسخرية أن يحمّل ترامب شبكة «فوكس نيوز» المسئولين عن الهزيمة لأنها كانت تستضيف مرشحين ديمقراطيين!! غالبية استطلاعات الرأى قالت بوضوح إن الاقتصاد كان العامل الحاسم فى التصويت.
ففى استطلاع مهم لمركز بيو فى الفترة من ٢٨ سبتمبر إلى ٤ أكتوبر الماضى قال ٨٤٪ إنهم سوف يصوتون على أساس الأداء الاقتصادى، و٧٣٪ على أساس مستقبل الديمقراطية و٦٨٪ على أساس الرعاية الصحية و٦٢٪ على أساس التعليم و٥٧٪ على أساس السياسة الخارجية و٥٤٪ على أساس الطاقة.
وكل ما سبق ملفات وقضايا أخفقت فيها إدارة ترامب وحكومته وحزبه بصورة كبيرة.
والملفت للنظر أكثر أن ٨٢٪ من مؤيدى الحزب الجمهورى قالوا إنهم سوف يصوتون على أساس الأداء الاقتصادى مقارنة بـ٨٨٪ بين مؤيدى الديمقراطيين.
وفى استطلاع رويترز/ أبسوس قال ٤٨٪ إنهم سيصوتون على أساس تكلفة المعيشة و٢٦٪ على أساس الديمقراطية و١٣٪ فقط على أساس الهجرة.
ومن المؤشرات المهمة أن ٤٩٪ قالوا إن أوضاعهم المالية الأسرية تدهورت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مقابل ١٣٪ فقط قالوا إن قضية الهجرة هى الأهم لهم.
الملاحظة الثالثة: إذا كان الناخب الأمريكى يصوّت بالأساس على قضايا معيشية واقتصادية، وقد لا يشغله كثيرا ما يحدث فى الخارج، فالمؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الملفين، فلولا حرب إيران ما ارتفعت أسعار الوقود إلى نسب وصلت فى بعض الأحيان إلى ٧٠٪، ولولا قرارات رفع التعريفة الجمركية على غالبية السلع المستوردة ما ارتفعت أسعار العديد من السلع فى السوق الأمريكية، ولولا تمويل أمريكا المبالغ فيه لإسرائيل ما زادت نسبة التضخم فى الداخل، وبالتالى فإن القضايا الخارجية كانت عاملا حاسما، ليس لأن المواطن الأمريكى ينشغل بها، ولكن لتأثيرها على معيشته اليومية.
الملاحظة الرابعة: حينما يخرج الرئيس الأمريكى قبل الانتخابات بساعات ويعلن أنه سيتم وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل، فهذا تطور فى منتهى الأهمية، صحيح أن ترامب وغيره قد لا يوقف هذه المساعدات، ويلتف عليها، وربما يستبدلها بمساعدات بصور أخرى كثيرة، خصوصا الدعم العسكرى والسياسى المفتوح، لكن المهم فى هذا الأمر أن ترامب - وهو أكثر من دعّم إسرائيل على مر التاريخ الأمريكى الحديث – أيقن تماما أن هذا الدعم صار مكروها لدى العديد من فئات المجتمع الأمريكى.
الملاحظة الخامسة: وارتباطا بالملاحظة السابقة فإن هذه الانتخابات تكشف عن تطورات ملموسة فيما يتعلق ليس فقط بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية التى كانت تشبه «التابو» أو المحرمات، ولكن بتغييرات جوهرية فى تفكير الشباب الأمريكى الذى صار يعارض إسرائيل علنا، خصوصا فى الجناح التقدمى للحزب الديمقراطى، وبعض أوساط الجمهوريين.
وإذا استمر هذا التطور وتراكم فقد لا نتفاجأ حينما نرى أغلبية فى الكونجرس تتحفظ على الدعم الأمريكى المفتوح لإسرائيل، فى حين أن من يجاهرون بانتقاد إسرائيل الآن أقلية بين ٤٣٥ عضوا فى مجلس النواب و١٠٠ عضو فى مجلس الشيوخ.
الملاحظة السادسة: أن الأصوات العربية والإفريقية والإسلامية التى كان ينظر إليها باعتبارها مشكوكا فى ولائها بعد هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١ صارت تمسك بزمام المبادرة وتهاجم منتقديها بل وتحقق نجاحات مدوية فى العديد من الولايات، ونتذكر ما فعله زهران ممدانى حينما فاز بمنصب عمدة نيويورك والنجاحات الأخيرة للمنحدرين من أصول عربية وإسلامية وإفريقية وبعضهم قد يكون له شأن أكبر فى الحياة السياسية الأمريكية.
الملاحظة السابعة والأخيرة: علينا ألا نقفز إلى استنتاجات سريعة بشأن هذه النتائج من قبيل أن ترامب سيوقف الحرب فورا مع إيران أو سيتخلى عن إسرائيل أو سيغير سياساته فى الداخل الأمريكى، لأن تقسيم السلطة فى الولايات المتحدة ما بين الرئيس فى البيت الأبيض والكونجرس شديد التعقيد والقضاء.
لكن فى كل الأحوال فإن ترامب وحزبه الجمهورى تلقى صفعة غير مسبوقة ستكون لها تداعيات متنوعة.