ما يعنيه فوز الديمقراطيين بالكونجرس لنا؟ - عبدالرحيم شلبي - بوابة الشروق
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 8:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

ما يعنيه فوز الديمقراطيين بالكونجرس لنا؟

نشر فى : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:10 م

لم يكن فوز الديمقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ معاً مجرد تغيير في الأغلبية، بل جاء حاسماً: فقد حصلوا على نحو مئتين واثنين وستين مقعداً في مجلس النواب، وعلى ما بين أربعة وخمسين وخمسة وخمسين مقعداً في مجلس الشيوخ، يضاف إليها مقعدان لمستقلين يصوتان عادة معهم. ومع ذلك يبقى الرئيس ترامب في موقعه، محتفظاً بحق الفيتو وبقيادة الجيش والأوامر التنفيذية وإدارة الدبلوماسية؛ فتجاوز الفيتو يحتاج إلى ثلثي المجلسين، أي مئتين وتسعين صوتاً في النواب وسبعة وستين في الشيوخ، وهذا ما لم يبلغه الديمقراطيون حتى بهذا الفوز الكبير. وكذلك يستطيع مجلس النواب أن يبدأ إجراءات عزل الرئيس، لكن الإدانة تحتاج إلى سبعة وستين صوتاً في الشيوخ، فلا يُنتظر أن تنهي ولايته. غير أن شيئاً جوهرياً قد تغيّر: فللمرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض سيجد أمامه سلطة مستقلة تملك أن تعطّل وتكشف وتعترض.

وفي يد هذه السلطة ثلاثة مفاتيح: المال، والموافقة، والمنبر. فلا سياسة تمضي بلا تمويل، ويستطيع الكونجرس أن يقيّد الإنفاق بشروط. ولا تُبرم معاهدة ولا يُعيَّن كبار المسئولين دون موافقة مجلس الشيوخ، وله كذلك أن يعترض على صفقات السلاح. أما المنبر فهو جلسات الاستماع واستدعاء المسئولين وطلب الوثائق، وبه تتحول القرارات التي كانت تُتخذ في الغرف المغلقة إلى موضوع للنقاش العلني. وحدود هذه المفاتيح معروفة، فالرئيس كثيراً ما يجد طريقاً التفافياً بالاستثناء أو التأجيل أو الإسراع في الصفقات قبل أن يتحرك المشرّعون.

وفي السياسة الخارجية يظل القرار للرئيس في الأغلب، لكن الكونجرس قادر على دفعه إلى تعديل مساره. ففي ملف أوكرانيا يستطيع الديمقراطيون طرح المساعدات للتصويت، وهناك مشروع قانون بشأن الديزل الروسي حظي بتأييد جمهوريين، مما يعني أنه قد يصمد أمام الفيتو، وللأمر صلة بنا، فالقمح والطاقة يتأثران بما يجري على تلك الجبهة. وفي الملف الصيني فالكونجرس أشد تشدداً من الرئيس نفسه؛ إذ يتوقع المحللون أن يقر الكونجرس القادم قيوداً أشد على التقنية الصينية أياً كانت نتيجة الانتخابات، لاتفاق الحزبين عليها، وسيشعر شركاء واشنطن العرب بهذا التشدد حين تتصل صفقاتهم التقنية والاستثمارية ببكين. وفي ملف الأمم المتحدة بلغت متأخرات الولايات المتحدة نحو أربعة مليارات ومئتين وستين مليون دولار، وبوسع الكونجرس أن يخصص الأموال لكن الرئيس يظل قادراً على الامتناع عن الدفع، وأثر ذلك يظهر في الوكالات الإنسانية العاملة في غزة والسودان واليمن.

ومن هذه الصورة يتضح أمر لا يروق لكثير من القادة العرب. فقد اعتادت عواصمنا في الغالب أن تتعامل مع مركز واحد للقرار، فإذا اتفقت مع القمة عُدَّ الأمر منتهياً. أما واشنطن فستجمع من الآن مركزين، والفرق بينهما كبير. وقد رأينا العام الماضي إعلان الرئيس عن صفقات مع الإمارات بقيمة مئتي مليار دولار، في اليوم نفسه الذي تحرك فيه الديمقراطيون لوقف مبيعات أسلحة إلى أبوظبي، فمنحت يد وحاولت الأخرى أن تسترد. وهنا يظهر الفارق بين من راهن على علاقة شخصية بالرئيس، فجاءت اتفاقاته سريعة لكنها قابلة للمراجعة، ومن ارتبط بواشنطن عبر قنوات مؤسسية ممتدة منذ عقود. ومصر والأردن في مقدمة هؤلاء؛ فقد ارتبطت معونة كل منهما بالكونجرس عاماً بعد عام، وعلمتهما التجربة الطويلة أن العلاقة مع واشنطن تُدار على مستويين: مستوى الرئيس الذي يحدد الاتجاه، ومستوى الكونجرس الذي يقرر الموارد والشروط، ولكل منهما لغته وأدواته. ولذلك فهما أقدر من غيرهما على التعامل مع المركزين معاً. والحكمة في هذا ليست في الضيق بالواقع بل في التعامل معه: فالصفقة التي يسندها الكونجرس أبطأ لكنها أطول عمراً، ومن يوسّع اتصالاته من البيت الأبيض إلى الكابيتول يطمئن أكثر ممن يضع رهانه كله على رجل واحد. وأرجح، مع بدء العد التنازلي لتسلّم الكونجرس الجديد مهامه في يناير، أن نرى تعجلاً في إقرار الصفقات والاستثناءات، ثم انتقالاً في جهود الضغط إلى الكابيتول، وميلاً إلى تنويع الشركاء بين أوروبا وتركيا والصين.

أما في منطقتنا فأول الملفات إيران. لا يملك الكونجرس إنهاء الحرب بقرار، فقد أُقر في يونيو قرارأ  لسلطات الحرب في المجلسين لكن الإدارة تجاهلته بحجة أنه غير دستوري. ومع ذلك فقد صوّت أربعة من الجمهوريين في مجلس الشيوخ مع الديمقراطيين في آخر مرة، وبهذه الأغلبية الجديدة التي تقارب ستة وخمسين أو سبعة وخمسين صوتاً، فإن انضمام هؤلاء الأربعة يقرّبها من الستين، وهو رقم له ثقل معنوي كبير وإن لم يبلغ ثلثي المجلس. وأقوى أدوات الكونجرس هنا هي المال؛ إذ يرى مسئول سابق في الخارجية الأمريكية أن قطع تمويل الحرب هو أنجع طريق لدفع الأطراف إلى التفاوض، وإن كان الديمقراطيون يتجنبون أن يظهروا في موقف من يتخلى عن الجنود.

 وفي ملف إسرائيل يُنتظر تقييد أنواع معينة من الأسلحة واشتراط تقارير عن دخول المساعدات الإنسانية، لا قطع المساعدات. أما فلسطين فالاعتراف بالدول من صلاحيات الرئيس وحده، فيما يقتصر دور الكونجرس على ما يتصل بالمساعدات والتقارير.

والملف الأبرز بالنسبة لنا هو السودان. فهناك مشروع قانون في مجلس النواب يحظر بيع المعدات العسكرية الكبرى لأي حكومة تمد أحد الطرفين بالسلاح، إلا إذا استُثنيت لاعتبارات الأمن القومي، وهذا الاستثناء يبين من صاحب الكلمة الأخيرة. وقد حاول مشرّعون ديمقراطيون وقف مبيعات أسلحة إلى الإمارات بسبب اتهامات بدعمها قوات الدعم السريع، وهي تنفي ذلك، لكن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بأغلبيتها الجمهورية، رفضت التعديل الذي يمنع هذه المبيعات. وبتغير الأغلبية سيتغير جدول الأعمال، وهذا مما يعنينا مباشرة بحكم الجوار.

وتبقى مصر. فالمعونة العسكرية السنوية تبلغ نحو مليار وثلاثمئة مليون دولار منذ أواخر الثمانينيات، ويرتبط جزء منها بشروط تتعلق بحقوق الإنسان يجوز إسقاطها لاعتبارات الأمن القومي. وقد أسقط وزير الخارجية روبيو في الشهر الماضي هذه الشروط عن مبلغ ثلاثمئة وعشرين مليون دولار، مشيراً إلى الدور المفيد لمصر منذ بدء الحرب مع إيران، وأصبح مثل هذا الاستثناء أمراً معتاداً في الإدارات الجمهورية والديمقراطية على السواء. وهذا يدل على أن قيمة مصر الاستراتيجية في المنطقة تغلب في الغالب على الاعتبارات الأخرى، وإن كان الكونجرس الجديد سيطرح أسئلة أكثر، وربما صاغ الشروط على نحو يصعب تجاوزه.

وخلاصة القول إن الكونجرس الجديد لن يمسك بعجلة القيادة، لكنه سيمسك بالفرامل، وسيرفع الصوت حين يلزم. ويبقى تحذير واحد: فقد أبدى بعض المحللين خشيتهم من أن يتجه رئيس مقيد في الداخل إلى النشاط في السياسة الخارجية بحزم أكبر. وإن صح ذلك فإن منطقتنا ستكون من أول من يشعر به، وستحتاج عندئذ إلى أن تعرف بالضبط من تخاطب في واشنطن، ومتى.

عبدالرحيم شلبي السفير عبدالرحيم شلبي
التعليقات