واشنطن والانتخابات الإسرائيلية.. التأثير من دون اختيار - عبدالرحيم شلبي - بوابة الشروق
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 7:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

واشنطن والانتخابات الإسرائيلية.. التأثير من دون اختيار

نشر فى : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:14 م

 كيف يمكن لدولة خارجية أن تؤثر فى انتخابات دولة أخرى من دون أن تعلن تأييدها لمرشح بعينه؟

تقدم الانتخابات الإسرائيلية المقررة فى 27 أكتوبر 2026 مثالًا مهمًا على ذلك. فالرئيس الأمريكى دونالد ترامب يقول إنه يفضل الابتعاد عن الانتخابات، ولم يعلن موقفًا واضحًا من بنيامين نتنياهو. لكن مواقف واشنطن من غزة، والتحركات العسكرية الإسرائيلية، وأمن المنطقة، ومستقبل العلاقة بين البلدين، تؤثر فى الظروف السياسية التى يخوض فيها الإسرائيليون هذه الانتخابات.

فالولايات المتحدة ليست مجرد حليف لإسرائيل؛ إنها أهم طرف خارجى قادر على التأثير فى خيارات حكومتها وكلفة سياساتها. والسؤال هو كيف سينعكس هذا النفوذ على المنافسة الانتخابية، ومن سيتمكن من استثماره سياسيًا.

دروس التاريخ

التاريخ يقدم أمثلة واضحة على قدرة واشنطن على التأثير فى خيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي، وإن اختلفت النتائج من حالة إلى أخرى.

فى عام 1956، ضغط الرئيس الأمريكى دوايت أيزنهاور على رئيس الوزراء دافيد بن جوريون للانسحاب من سيناء بعد حرب السويس، مستخدمًا النفوذ الأمريكى الدبلوماسى والمالي. واضطرت الحكومة الإسرائيلية فى النهاية إلى قبول الانسحاب. لم تكن القضية انتخابية، لكنها أثبتت قدرة واشنطن على تقييد خيارات رئيس الوزراء الإسرائيلى عندما تقرر استخدام نفوذها.

وفى عامى 1991 و1992، اتخذ الضغط الأمريكى بُعدًا سياسيًا أوضح، عندما ربط الرئيس جورج بوش الأب ضمانات القروض الأمريكية بموقف حكومة إسحق شامير من الاستيطان. وأصبح الخلاف مع واشنطن جزءًا من البيئة السياسية التى سبقت هزيمة شامير فى انتخابات 1992.

لكن التأثير الأمريكى لا يعمل دائمًا فى الاتجاه نفسه. ففى عام 1996، لم تمنع العلاقة الوثيقة بين الرئيس بيل كلينتون وشمعون بيريز فوز نتنياهو. وفى عام 2019، ساعدت قرارات ترامب بشأن الجولان، إلى جانب المشاهد التى أبرزت علاقته بنتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى على تقديم علاقته بالبيت الأبيض باعتبارها ميزة سياسية لا يملكها منافسوه.

وتوضح هذه الحالات أن النفوذ الأمريكى قد يخدم رئيس الحكومة أو يضعفه، بحسب طبيعة الموقف الأمريكى والظروف الداخلية وكيفية تفسير الناخبين له.

نتنياهو وورقة واشنطن

لسنوات طويلة، بنى نتنياهو جزءًا أساسيًا من صورته السياسية على علاقته بواشنطن. وكانت رسالته إلى الناخب الإسرائيلى أنه الرجل القادر على الوصول المباشر إلى الرئيس الأمريكى والحصول منه على ما لا يستطيع غيره الحصول عليه.

وبدا ترامب، فى بداية علاقته بنتنياهو، وكأنه الرئيس المثالى لتعزيز هذه الصورة. لكن المؤشرات الأخيرة تثير تساؤلات حول استمرار هذه الميزة.

فزيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن لم تمنحه المشهد الإعلامى الذى اعتاد استخدامه سياسيًا. تأخر تحديد موعد اللقاء، ثم عُقد مغلقًا أمام الصحافة ومن دون المؤتمر الصحفى المعتاد، كما دخل نتنياهو البيت الأبيض من مدخل جانبى. وقد تبدو هذه تفاصيل بروتوكولية، لكنها تكتسب دلالة سياسية بالنسبة إلى رئيس وزراء اعتاد تقديم علاقته بالرئيس الأمريكى باعتبارها دليلًا على مكانته وقدرته على حماية المصالح الإسرائيلية.

ثم جاءت إشارات أخرى. فقد أعلن ترامب تفضيله عدم التدخل فى الانتخابات الإسرائيلية، من دون أن يغلق الباب أمام احتمال تأييد شخص ما لاحقًا. كما سأل نتنياهو، وفقًا لتقارير صحفية، عن وضعه فى استطلاعات الرأى، ونُقل عنه وصف نتنياهو بأنه «عدو نفسه»، فى سياق إحباطه من بعض قراراته وسياساته.

لا تثبت هذه الوقائع أن ترامب قرر الوقوف ضد نتنياهو، لكنها تشير إلى أن العلاقة لم تعد تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلى المزايا السياسية التلقائية التى اعتاد الاستفادة منها.

ويعزز هذا الانطباع ما تردد عن إقامة مسئولين فى إدارة ترامب قنوات غير رسمية مع نفتالى بينيت وجادى آيزنكوت، وهما من أبرز الأسماء التى يمكن أن تنافس نتنياهو. وفى الاتجاه الآخر، أفادت تقارير بأن بينيت وآيزنكوت ويائير لابيد سعوا إلى إقناع ترامب ومساعديه بعدم تأييد نتنياهو.

ويكشف الاتصال فى الاتجاهين أن خصوم نتنياهو يسعون إلى إثبات قدرتهم على إدارة العلاقة مع واشنطن أيضًا. ولا يعنى ذلك أن الإدارة الأمريكية اختارت بديلًا، لكنه يقلل من قدرة نتنياهو على تقديم علاقته بالبيت الأبيض باعتبارها ميزة حصرية.

غزة: الاختبار الأهم

تمثل غزة الاختبار الأهم لطبيعة الخلاف بين ترامب ونتنياهو، لأنها تنقل التباين بين الرجلين من مستوى العلاقة الشخصية إلى مستوى الخيارات السياسية والأمنية.

يريد ترامب تقديم خطته لإنهاء الحرب وإعادة إعمار غزة باعتبارها إنجازًا أمريكيًا. لكن تنفيذها يتطلب اتفاقًا حول الترتيبات الأمنية، ومستقبل الوجود العسكرى الإسرائيلى، ونزع سلاح حماس، والانسحاب وإعادة الإعمار، فضلًا عن إقامة إدارة فلسطينية جديدة.

يريد ترامب أن يثبت أن القوة الأمريكية تستطيع تحويل الحرب إلى تسوية تحقق مصالح الولايات المتحدة وتمنحه إنجازًا سياسيًا. أما نتنياهو، فيخشى أن تؤدى التسوية إلى تقليص حرية الحركة الإسرائيلية وإلى منح الفلسطينيين دورًا سياسيًا قد يراه خصومه داخل اليمين تنازلًا غير مقبول.

وهكذا، لا يتعلق الخلاف بالتفاصيل التنفيذية وحدها، بل بشروط المرحلة التالية: هل تتقدم واشنطن نحو ترتيب سياسى وأمنى أوسع، أم تحتفظ الحكومة الإسرائيلية بأكبر قدر ممكن من السيطرة؟

ويضيف تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى سبتمبر 2027 عنصرًا آخر إلى المشهد. فقد يمنح نتنياهو فرصة لتكرار حجته بأنه لا يوجد شريك فلسطينى قادر على تقديم قيادة موحدة وذات شرعية انتخابية. لكن التأجيل يزيد صعوبة إقامة إدارة فلسطينية قابلة للحياة فى غزة، ويهدد بإطالة أمد الفراغ السياسى الذى تسعى الخطة الأمريكية إلى تجاوزه.

وقد يستثمر نتنياهو الضغوط الأمريكية لتقديم نفسه مدافعًا عن استقلال القرار الإسرائيلى. لكن إذا ظهر أن موقفه يعطل خطة ترامب، فقد يثير ذلك تساؤلات داخل إسرائيل حول ما إذا كان الصدام مع واشنطن يخدم المصالح الإسرائيلية أم يرفع كلفتها.

إيران ولبنان وسوريا

يمتد الخلاف المحتمل إلى إيران ولبنان وسوريا، حيث لا تتطابق بالضرورة أولويات واشنطن وتل أبيب.

قد ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكرى وتوسيع حرية عملها الإقليمى ضروريان لمنع خصومها من استعادة قدراتهم. أما الولايات المتحدة، فعليها أن تحسب نتائج هذه السياسة على مصالحها الأوسع، واستقرار المنطقة، واحتمالات الانزلاق إلى مواجهات جديدة.

وقد أظهرت الحرب مع إيران أن الاتفاق على طبيعة التهديد لا يعنى الاتفاق على الأهداف النهائية، أو حجم المخاطر المقبولة، أو توقيت الانتقال من العمل العسكرى إلى التفاهم السياسي. وينطبق الأمر نفسه على لبنان وسوريا، حيث يمكن أن تؤثر حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية فى مصالح الولايات المتحدة وشركائها.

وفى هذا السياق، تكتسب مواقف نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس أهمية خاصة. فالإقرار بأن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتطابق فى بعض القضايا وتختلف فى أخرى يؤكد أن التحالف لا يلغى استقلال الحسابات الأمريكية، وأن واشنطن لن تعتبر كل قرار إسرائيلى بالضرورة خادمًا لمصالحها.

وقد يمنح اتساع الخلافات خصوم نتنياهو فرصة للتشكيك فى قدرته على إدارة العلاقة مع واشنطن. لكنه يستطيع أيضًا تصويرها باعتبارها دليلًا على تمسكه بالمصالح الإسرائيلية، ما يجعل أثرها الانتخابى مرتبطًا بالطريقة التى ينجح كل طرف فى عرضها على الناخبين.

هل ينقلب الضغط على واشنطن؟

من الخطأ افتراض أن كل ضغط أمريكى يضر بنتنياهو، أو أن كل خلاف مع ترامب يفيد المعارضة.

يعرف نتنياهو كيف يحول الخلاف مع واشنطن إلى جزء من حملته، مقدمًا نفسه باعتباره رئيس الوزراء الذى لا يسمح لأى رئيس أمريكى بفرض قرارات على إسرائيل. وقد يرى بعض الناخبين فى هذا الموقف دليلًا على الحزم والاستقلال، لا على العزلة أو سوء إدارة العلاقة.

كما أن المعارضة الإسرائيلية لا تقدم بالضرورة تحولًا جذريًا فى القضايا الاستراتيجية. فقد تسعى إلى تحسين العلاقة مع الولايات المتحدة والحد من بعض سياسات الحكومة الحالية، من دون تغيير أساسى فى الموقف من الدولة الفلسطينية أو فى التصور الإسرائيلى للأمن الإقليمى. ولذلك، فإن تغيير الحكومة لا يعنى تلقائيًا تغييرًا جذريًا فى السياسة الإسرائيلية.

التأثير من دون اختيار

مع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر، ستظل العلاقة مع واشنطن أحد العوامل المهمة فى تقييم الناخب الإسرائيلى لأداء نتنياهو وقدرته على إدارة الملفات الأمنية والسياسية. وقد تؤدى الضغوط الأمريكية إلى تعزيز موقف منافسيه، أو تمنحه فرصة لتعبئة مؤيديه حول خطاب الاستقلال والمواجهة.

لكن العامل الأمريكى، مهما بلغت أهميته، لا يحسم وحده نتيجة الانتخابات. فالأثر النهائى يتوقف على تطورات المنطقة، وأداء الحكومة، وقوة المنافسين، وكيفية استجابة الناخبين لكل ذلك.

تستطيع واشنطن التأثير فى ظروف المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، لكنها لا تستطيع ضمان نتيجتها.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

عبدالرحيم شلبي السفير عبدالرحيم شلبي
التعليقات