التهديدات الإقليمية وعروبة المصالح المشتركة - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 7:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

التهديدات الإقليمية وعروبة المصالح المشتركة

نشر فى : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:15 م

كل اعتداء إيرانى على سيادة السعودية أو أى دولة خليجية، وكل هجوم حوثى يستهدف الأراضى العربية أو الملاحة المدنية، يستوجب الإدانة دون تردد. وقد وجدت نفسى، مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أشعر بألم حقيقى كلما تعرضت بقعة عربية للخطر، ولا تربطنى بدول الخليج مصالح شخصية، لكننى أرى فى أمنها واستقرارها قضية عربية تمس مصالحنا جميعًا، وتتجاوز حدود التضامن الوجدانى.

فأنا أؤمن بالعروبة، لكننى لا أختزلها فى العاطفة أو الشعارات. هناك عروبة المصالح المشتركة، التى تفرضها الجغرافيا والتجارة ومصادر الطاقة، وتكشف أهميتها الأزمات أكثر مما تكشفها الخطب. وما يجرى فى الخليج لا تنحصر آثاره داخل حدوده، كما أن اضطراب الملاحة عند باب المندب ينعكس على البحر الأحمر وقناة السويس وحركة التجارة العالمية.

• • •

لعل تجربة السنوات الأخيرة تقدم مثالًا يصعب تجاهله؛ فقد دفعت الهجمات على السفن فى البحر الأحمر شركات ملاحة إلى تغيير مساراتها، وتكبد الاقتصاد المصرى خسائر نتيجة تراجع العبور بقناة السويس. وذكر تقرير «استعراض النقل البحرى 2025»، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، أن الحمولة العابرة للقناة فى مايو 2025 ظلت أقل بنحو 70% من مستويات عام 2023. وهى بيانات تخص تلك الفترة، لكنها تكفى لإيضاح كيف تنتقل آثار التهديدات الأمنية بين دول المنطقة، دون حاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

لهذا أنظر بقلق إلى السياسات الإيرانية التى تستثمر فى الجماعات المسلحة الموالية لها داخل بعض الدول العربية، وفى سياق ذلك تأتى الهجمات الحوثية التى تهدد الملاحة أو تعرض السعودية للخطر. فقد أسهم الدعم الإيرانى للحوثيين فى تعزيز قدراتهم العسكرية، مع بقاء حساباتهم اليمنية الخاصة. وأيًا كانت دوافع هذه الجماعات، فإن تحويل الممرات البحرية والأراضى العربية إلى أوراق ضغط فى الصراعات الإقليمية يضع مصالح شعوب بأكملها تحت التهديد.

• • •

وأشدد هنا على أنه لا ينبغى أن يتحول رفضنا العدوان الإسرائيلى، أو تضامننا المشروع مع الشعب الفلسطينى، إلى مبرر لتجاهل الاعتداءات التى تتعرض لها دول عربية. لإسرائيل سجل طويل من الاحتلال والعدوان وانتهاك الحقوق الفلسطينية، وهو واقع لا يحتاج إلى تبرير أو تخفيف. لكن الموقف من إسرائيل لا يسلب الدول العربية حقها فى رفض التهديدات الأمنية القادمة من إيران أو من الجماعات المتحالفة معها. 

ومن المؤسف أن يتحول بعض الجدل السياسى إلى اختبار للولاء لهذا الطرف أو ذاك، وكأن المصالح العربية لا تستحق موقفًا مستقلًا. وفى ذلك نتناسى أن الدفاع عن هذه المصالح يحتاج إلى تعاون عربى عملى، يبدأ بتنسيق المواقف تجاه التهديدات المشتركة، وحماية طرق الملاحة والتجارة، مع احتفاظ كل دولة باستقلال قرارها. 

• • •

إذا كانت الاعتداءات على الدول العربية وتهديدات الملاحة تكشف حجم المخاطر الأمنية الراهنة، فإن اختلال التوازن النووى فى الشرق الأوسط يثير قلقًا أشد بشأن مستقبل المنطقة. فلا يمكن مناقشة المسألة النووية مع تجاهل الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة رسميًا، والتى تظل خارج نظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية

وهنا أقولها بصريح العبارة: إننى لا أرى أن امتلاك إيران قنبلة نووية سيحقق للعرب توازنًا مأمونًا مع إسرائيل. فمن يستهدف أراضيك اليوم وهو لا يمتلك السلاح النووى، فكيف سيكون سلوكه إذا امتلكه غدًا؟ ذلك الأمر ليس بعيدًا عن رصد المؤسسات الدولية؛ فقد حذر رافائيل جروسى، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فى نوفمبر 2025، من احتمال اتساع النادى النووى عالميًا إلى ما بين عشرين وخمس وعشرين دولة، مشيرًا إلى مخاطر سباق تسلح نووى قد يشمل منطقة الخليج، وسعى بعض دولها لدخول هذا النادى.

• • •

أيًا كان حجم الخلاف مع السياسات الإيرانية، فإن توسيع الحرب لن يخدم شعوب المنطقة، لقد دفعت البلدان العربية أثمانًا باهظة للصراعات التى دارت على أراضيها، وتحتاج اليوم إلى استعادة الاستقرار وإفساح المجال للتنمية.

أعرف أن الحديث عن العروبة أصبح عند البعض مرادفًا لذكريات سياسية بعيدة، وربما لخيبات قديمة. لكننى حين أدافع عن أمن الخليج، أو أقلق من تهديد باب المندب، أفكر فى مصالح حاضرة يمكن حساب آثارها على حياة الناس واقتصادات الدول.

 

التعليقات