فى المقهى الذى يجمعنا أحيانًا فى فيينا مع زملاء آخرين، التقيت الباحثة البرازيلية فى العلوم السياسية كلارا كارفاليو صباح إعلان فوز لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة. اعتدنا الحديث عن الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وأحيانًا كرة القدم. لكن كلارا، وهى من أنصار لولا، كانت منشغلة هذه المرة بسؤال آخر: إلى أى مدى ساعد تدخل دونالد ترامب فى هزيمة المرشح اليمينى المتطرف فلافيو بولسونارو الذى كان يفضل وصوله إلى الحكم؟
قالت إن بعض البرازيليين صوتوا لـ«لولا» احتجاجًا على تدخل واشنطن، ونقلت عن مواطنين سمعت آراءهم عبارة بقيت فى ذهنى: «صوتنا له لأننا لا نريد أن يختار رئيس الولايات المتحدة رئيس البرازيل». ثم دعتنى إلى مراجعة نتائج تصويت البرازيليين فى الخارج. حصل لولا على 53.86% من أصواتهم، وفقًا لشبكة «سى إن إن برازيل»، مع أن منافس لولا تفوق بين المقيمين فى الولايات المتحدة.
• • •
وجدت ما يدعم تفسير كلارا فى تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، نقلت فيه عن مستشار لبولسونارو أن الرسوم الجمركية التى فرضتها إدارة ترامب ضد المنتجات البرازيلية أضرت بمرشحه فى استطلاعات الرأى. وكان البيت الأبيض قد تجنب تأييدًا مباشرًا لفلافيو خلال الجولة الأولى خشية اتهامات التدخل الأجنبى. لكن العلاقة الوثيقة بين ترامب وعائلة بولسونارو ظلت حاضرة فى المعركة الانتخابية.
تاريخ البرازيل يجعل هذه الحساسية مفهومة؛ فقد شهدت انقلابًا عسكريًا سنة 1964 بمساندة أمريكية، ولا تزال ذاكرة تلك المرحلة حاضرة فى الحياة السياسية. وقد يختلف البرازيليون حول لولا وسياساته، لكن استخدام واشنطن قوتها الاقتصادية عبر الرسوم الجمركية للتأثير فى خياراتهم أثار غضبًا تجاوز حدود اليسار.
• • •
فاز لولا بنسبة 51.79%، مقابل 48.21% لفلافيو بولسونارو، بعدما تقدم الأخير فى الجولة الأولى. والفارق نحو أربعة ملايين وأربعمائة ألف صوت. وسيحكم لولا بلدًا منح قرابة ستين مليون صوت لمنافسه. وقد اعترف الحزب الليبرالي، الذى ينتمى إليه فلافيو، بالنتيجة، بينما تراجع المرشح الخاسر عن المطالبة بإلغاء الاقتراع، مع تمسكه باتهامات ضد حملة لولا. لكن الاعتراف بنتيجة الانتخابات لا يلغى الانقسام السياسى الحاد الذى كشفت عنه صناديق الاقتراع.
لولا يعرف صعوبة الحكم فى هذه الظروف. فقد خرج من الحركة النقابية، ونجح فى بناء تحالفات تتجاوز اليسار التقليدى. لكن الكونجرس المحافظ والضغوط الاقتصادية سيختبران قدرته على الوفاء بوعوده؛ فالناخب الذى رفض تدخل ترامب سيطالبه أيضًا بتحسين معيشته ومواجهة الجريمة، وقد يستفيد اليمين من أى إخفاق اقتصادى.
• • •
أما بنيامين نتنياهو، الذى يخوض اليوم معركة انتخابية حاسمة فى إسرائيل، فكان أكثر وضوحًا فى مساندة بولسونارو، فقد عرضت رسالة مصورة لرئيس الوزراء الإسرائيلى لدعم بولسونارو خلال مؤتمر إعلان ترشيحه فى يوليو الماضى، ثم هنأه بعد الجولة الأولى وتمنى له الفوز، وكان المرشح اليمينى قد تعهد بتوثيق العلاقات مع إسرائيل، وأبدى استعداده لنقل السفارة البرازيلية إلى القدس.
غير أن نتنياهو راهن على مرشح فى بلد لا يتمتع فيه بثقة واسعة. فقد أظهر استطلاع لمركز «بيو» أن 64% من البرازيليين لا يثقون بقدرته على اتخاذ قرارات صائبة، بينهم 57% من أصحاب التوجه اليميني. ومع ذلك، يحظى بولسونارو بتأييد قوى بين الإنجيليين الذين تربط قطاعات منهم بإسرائيل مواقف دينية وسياسية راسخة.
وسبق لجايير بولسونارو، والد المرشح الخاسر، أن وعد بنقل السفارة إلى القدس، ثم اكتفى بفتح مكتب تجارى هناك. فقد اصطدمت رغبته فى إرضاء نتنياهو بمصالح المصدرين البرازيليين فى الأسواق العربية. وهى مفارقة تكشف أن الحماسة الأيديولوجية قد تتراجع أمام حسابات الاقتصاد.
بقاء لولا يعنى استمرار موقف برازيلى شديد الانتقاد للحرب الإسرائيلية على غزة، ومؤيد لتحرك جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. وهى خسارة دبلوماسية لنتنياهو الذى كان ينتظر وصول حليف يعيد الدفء إلى العلاقات مع برازيليا. أما ترامب، فسيجد نفسه أمام رئيس يصر على استقلال قرار بلاده، وعلى حرية التعامل مع الصين ودول بريكس.
تذكرت عبارة كلارا عن حق البرازيليين فى اختيار رئيسهم بعيدًا عن ضغوط الخارج. وفيما يتعلق بقضايانا العربية، لا أستطيع النظر إلى هذه النتيجة بمعزل عن فلسطين؛ فخسارة نتنياهو حليفًا محتملًا فى برازيليا تعنى أن صوتًا دوليًا مؤثرًا سيواصل الاعتراض على الحرب فى غزة والدفاع عن مساءلة إسرائيل. وقد لا يستطيع لولا وقف المأساة وحده، لكن بقاءه يمنع نتنياهو من تحويل دولة كبرى بحجم البرازيل إلى سند سياسى جديد لحكومته. وفى زمن يتعرض فيه الفلسطينيون لكل هذا القتل والخذلان، ليس ما أسفرت عنه انتخابات البرازيل بخسارة صغيرة لنتنياهو.