كلما اقتربت الانتخابات، اكتشف بنيامين نتنياهو فجأة أن الشرق الأوسط يحتاج إلى السلام.. لكن الرجل الموجود فى واشنطن هذه الأيام هو نفسه الذى يعلن، فى مقابلاته الصحفية، أن الحرب مع إيران «لم تنتهِ»، وأن البرنامج النووى الإيرانى يجب أن يتوقف «باتفاق أو من دون اتفاق»؛ لهذا يبدو حديثه عن «توسيع دائرة السلام» أقرب إلى شعار انتخابى منه إلى تحول حقيقى فى السياسة.. فكيف يجتمع السلام مع الإصرار على إبقاء الحرب مفتوحة؟
زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض لمقابلة دونالد ترامب تأتى فى لحظة دقيقة بالنسبة للرجلين.. رئيس الوزراء الإسرائيلى يستعد لانتخابات مصيرية فى أكتوبر، بينما يخوض الرئيس الأمريكى معركة انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر بعد حرب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا. كلاهما يحتاج إلى إنجاز يقدمه للناخبين، لكن كلا منهما يبحث عن إنجاز مختلف.. نتنياهو يريد صورة تؤكد أنه لا يزال الزعيم الأقرب إلى واشنطن، وترامب يريد أن يقنع الأمريكيين بأنه أعاد الاستقرار إلى منطقة دفع الاقتصاد الأمريكى ثمن اضطراباتها.
هذه المرة، لا يدخل نتنياهو المكتب البيضاوى من موقع القوة الذى اعتاده؛ فالصحف الإسرائيلية نفسها تتحدث عن تراجع نفوذه فى واشنطن، وعن أسابيع من الاتصالات سبقت تحديد موعد اللقاء. وحتى إذا كان هذا الاجتماع هو الثامن بين الرجلين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض فى يناير 2025، فإن كثرة اللقاءات لا تعنى بالضرورة تطابق المصالح.
• • •
جوهر الخلاف يدور بشأن إيران؛ فنتنياهو يرى أن الحرب توقفت قبل أن تحقق أهدافها، وأن طهران استعادت جزءًا من قدرتها على إعادة بناء برنامجها النووى والعسكرى؛ لذلك يحمل معه، بحسب تقارير إسرائيلية، تقديرات استخباراتية جديدة يحاول من خلالها إقناع ترامب بأن المواجهة لم تنته بعد.
أما ترامب، فينظر إلى المشهد بعين مختلفة.. فإغلاق مضيق هرمز خلال الحرب التى لم تضع أوزارها بعد، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع شعبيته، جعلته أكثر ميلًا إلى التفاوض وأقل استعدادًا لخوض مواجهة جديدة قبل الانتخابات؛ لذلك يواصل التلويح بالخيار العسكرى، لكنه يترك باب المفاوضات مفتوحًا، إدراكًا منه أن أى حرب واسعة الآن قد تتحول إلى عبء انتخابى ثقيل.
المفارقة أن نتنياهو يسوق زيارته باعتبارها خطوة لتوسيع «دائرة السلام»، بينما السلام الذى يقصده لا علاقة له بإنهاء الصراع الفلسطينى أو تسوية الخلاف مع إيران. ما يسعى إليه هو إحياء مسار التطبيع مع السعودية، وربط الاتفاق النووى المدنى الأمريكى ــ السعودى باستئناف «اتفاقات أبراهام». وإذا تحقق ذلك، فسيقدمه للإسرائيليين باعتباره إنجازًا تاريخيًا يعوض الإخفاق فى تحقيق أهداف الحرب على إيران.
لكن هذا المسار نفسه يواجه عقبات.. فالرياض لا تبدو مستعدة لمنح نتنياهو هدية انتخابية مجانية، كما أن إدارة ترامب تمضى فى ملفات تثير قلق إسرائيل، مثل الاتفاق النووى المدنى مع السعودية، واحتمال بيع مقاتلات «إف ــ 35» لتركيا، فضلًا عن الضغوط الأمريكية لتثبيت التفاهمات فى لبنان وغزة. كلها ملفات تكشف أن الخلافات بين الحليفين أعمق مما توحى به الصور التذكارية.
لهذا تبدو الزيارة محاولة لإدارة الخلاف أكثر من كونها مناسبة للاحتفال بالتحالف.. نتنياهو يدرك أن أى تقارب جديد مع ترامب قد ينعش حملته الانتخابية، وترامب يعرف أن الظهور إلى جانب نتنياهو يخاطب جزءا مهما من قاعدته المحافظة، لكنه لا يريد أن يبدو وكأنه يندفع مرة أخرى إلى حرب لم تحقق أهدافها.
• • •
يبقى السؤال: هل تمهد هذه الزيارة لجولة جديدة من القتال الواسع ضد إيران؟ الاحتمال قائم، لكنه مؤجل على الأرجح؛ فالانتخابات فى إسرائيل والولايات المتحدة تفرض على الزعيمين حسابات مختلفة، وتدفعهما إلى تأجيل القرارات الكبرى، لا إلى حسمها.
لهذا يبدو السلام الذى يتحدث عنه نتنياهو سلاما مؤجلا، والحرب التى يلوح بها حربا مؤجلة أيضا. أما الحقيقة الوحيدة الواضحة، فهى أن صناديق الاقتراع أصبحت اليوم أقوى تأثيرا فى قرارات الحرب والسلام من كل الخطابات التى ستلقى داخل البيت الأبيض.