سلام المضطرين.. عندما تتوقف الحرب وتبقى أسبابها! - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 يونيو 2026 8:40 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

سلام المضطرين.. عندما تتوقف الحرب وتبقى أسبابها!

نشر فى : الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 6:25 م

 

لم يولد الاتفاق الأمريكى - الإيرانى ضعيفًا فحسب، بل ولد محملًا بعناصر التوتر التى قد تعيد إشعال الأزمة قبل أن يجف حبر التوقيع النهائى فى جنيف؛ فبعد حرب استمرت أشهرًا، وأغلقت مضيق هرمز، وأربكت أسواق الطاقة العالمية، وأوقعت آلاف الضحايا، كان يفترض أن تنتهى المواجهة بحسم القضايا التى أشعلتها. لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ إذ توقفت العمليات العسكرية فيما أُرجئت الملفات الأساسية إلى مفاوضات لاحقة، وكأن الحرب لم تكن سوى محطة انتقالية نحو جولة تفاوض جديدة.


جوهر الأزمة لم يكن الملاحة فى مضيق هرمز، ولا تبادل الضربات العسكرية بين واشنطن وطهران، بل البرنامج النووى الإيرانى. ومع ذلك فإن الاتفاق لم يحسم مصير البرنامج النووى، ولم يحدد مصير مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم عالى التخصيب، ولم يضع آلية نهائية للتفتيش أو الرقابة أو التفكيك. بل أُحيلت هذه الملفات كلها إلى مهلة تفاوض جديدة تمتد ستين يومًا قابلة للتمديد.


• • •
بمعنى أكثر صراحة، انتهت الحرب بينما بقى السبب الذى اندلعت من أجله الحرب قائمًا. هذه ليست مسألة تفصيلية؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تتحدث عن فقدان القدرة على التحقق من مخزون يقدر بنحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%. وهى كمية تعتبرها الوكالة كافية نظريًا لإنتاج عدة رءوس نووية إذا جرى رفع نسبة التخصيب إلى المستوى العسكرى. وعندما ينتهى صراع بهذا الحجم فيما يبقى مصير هذه المواد غامضًا، يصبح الحديث عن «حل تاريخى» أقرب إلى الوصف السياسى منه إلى الواقع العملى.


لكن المفارقة الأبرز لا تتعلق باليورانيوم وحده؛ فاللافت أن الاتفاق جاء نتيجة ضغوط متبادلة أكثر مما جاء نتيجة قناعة متبادلة. إيران خرجت من الحرب متضررة اقتصاديًا وعسكريًا، لكنها لم تفقد قدرتها على الصمود أو الردع بالكامل. النظام بقى قائمًا، والبرنامج النووى لم يجرِ الإجهاز عليه كلية، وقدرات الصواريخ لم تُمحَ من المعادلة. وفى المقابل اكتشفت الولايات المتحدة أن استمرار الحرب يحمل كلفة سياسية واقتصادية متزايدة، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد القلق داخل الأسواق العالمية.


فى هذا السياق يمكن فهم اندفاع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نحو الاتفاق؛ فالرجل يحتاج إلى إنجاز سريع يقدمه للناخب الأمريكى قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر المقبل، فى وقت تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن أسعار الوقود وتكاليف الحرب. ومن هنا تبدو إعادة فتح مضيق هرمز الإنجاز الأكثر وضوحًا الذى خرج به البيت الأبيض حتى الآن، أما ما تبقى، فما زال معلقًا.


• • •
غير أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام فى المشهد كله ربما لا يتعلق بالملف النووى ولا بوقف إطلاق النار، بل بما كشفه نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس عن إمكانية حصول إيران على ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، على أن يأتى جزء كبير من التمويل من دول الخليج.


إذا كانت هذه الفكرة مطروحة فعلًا داخل دوائر التفاوض الأمريكية، فإنها تمثل واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة فى تاريخ المنطقة الحديث؛ فالدول الخليجية كانت من بين أكبر المتضررين من الحرب. منشآت استراتيجية تعرضت للتهديد، وممرات الطاقة واجهت اضطرابات خطيرة، والاستثمارات الإقليمية تحملت مخاطر غير مسبوقة. ثم يطرح فجأة تصور يقوم على مساهمة هذه الدول فى تمويل إعادة إعمار الدولة التى كانت طرفًا رئيسيًا فى الصراع؟!


حتى الآن لا توجد مؤشرات على قبول خليجى بهذا التصور. لكن مجرد طرحه يكشف حجم التنازلات التى قد تكون واشنطن مستعدة لتقديمها من أجل تثبيت الاتفاق، كما يكشف عن أن الأولوية الأمريكية باتت تتركز على احتواء الأزمة والخروج منها أكثر من إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بصورة جذرية.


• • •
ولهذا فإن الاتفاق الحالى لا يبدو اتفاق منتصرين ولا اتفاق مهزومين، بل اتفاق أطراف متعبة.. مضطرة.. إيران تحتاج إلى كسر العزلة الاقتصادية.. ترامب يحتاج إلى خفض أسعار الطاقة قبل الاستحقاقات الانتخابية.. أوروبا تحتاج إلى استقرار أسواق النفط والغاز.. ودول الخليج تحتاج إلى منع انفجار إقليمى جديد.


إنه اتفاق صنعته الضرورة السياسية أكثر مما صنعته التسويات الاستراتيجية. ولهذا يبدو أقرب إلى هدنة طويلة منه إلى سلام مستدام، وأقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى حل لها؛ فالسلام الحقيقى يبدأ عندما تُحل القضايا التى أشعلت الحرب. أما هنا، فإن تلك القضايا نفسها ما زالت تنتظر على طاولة المفاوضات.

التعليقات