ترامب إلى بكين.. مهتز الخطوة يمشى قلقًا! - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 مايو 2026 9:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ترامب إلى بكين.. مهتز الخطوة يمشى قلقًا!

نشر فى : الثلاثاء 12 مايو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 مايو 2026 - 7:00 م

لم يكن هذا ما تخيله دونالد ترامب وهو يرتب رحلته إلى بكين. كان يريد أن يصل إلى العاصمة الصينية حاملا اتفاقا مع إيران، أو على الأقل صورة انتصار يمكن تسويقها أمام العالم باعتبارها دليلا جديدا على عودة الهيبة الأمريكية. كان يريد أن يقف أمام شى جين بينج من موقع الرجل الذى حسم الحرب، وأخضع طهران، وأعاد فتح هرمز، ثم جاء ليتحدث مع الصين بلغة القوة الأمريكية المعتادة.

لكن الشرق الأوسط كتب سيناريو آخر.. فلا الحرب انتهت، ولا إيران انكسرت، ولا مضيق هرمز عاد إلى طبيعته، ولا الاقتصاد العالمى خرج من دائرة القلق. والأسوأ بالنسبة لترامب أن الوقت نفسه بدأ يتحول إلى خصم سياسى داخلى يطارده قبل انتخابات التجديد النصفى.

ولهذا، فإن الرئيس الأمريكى يذهب إلى بكين هذه المرة بخطوة مهتزة فعلا. ليس فقط لأن الحرب الإيرانية استنزفت صورته، بل لأن الرجل الذى كان يتحدث طوال العام الماضى عن إخضاع الصين بالرسوم الجمركية والعقوبات، يجد نفسه الآن مضطرا لطلب مساعدتها فى إطفاء حريق الشرق الأوسط.. وهذه وحدها مفارقة ثقيلة.

• • •

التحليلات الأمريكية والغربية التى سبقت الزيارة لم تعد تتحدث عن اختراقات كبرى أو صفقات تاريخية بين واشنطن وبكين، بل عن رئيس أمريكى يبحث عن «إنجاز» بأى صيغة. حتى وكالة رويترز نقلت عن تقديرات للاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أن إيران قد تكون قادرة على الصمود اقتصاديا وعسكريا لأربعة أشهر تحت الحصار والضغط الحالى. وإذا صح ذلك، فالمعنى السياسى واضح وخطير بالنسبة لترامب: حرب طويلة بلا حسم، وأسعار طاقة مرتفعة، وغضب داخلى يتفاقم، فيما تقترب انتخابات قد يفقد فيها الجمهوريون الكونجرس.

هنا تحديدا يبدأ القلق الحقيقى فى واشنطن فترامب دخل الحرب على أساس أن إيران ستتراجع سريعا تحت وطأة الضربات والحصار البحرى، لكن ما حدث أن طهران نقلت المعركة إلى ساحة الزمن. لم تنتصر إيران عسكريا، لكنها نجحت حتى الآن فى منع خصومها من تحقيق نصر واضح، وهذا أسوأ أنواع الحروب بالنسبة لرئيس أمريكى يعيش على فكرة «الصفقة الكبرى» والانتصار السريع والصورة التليفزيونية الحاسمة.

البيت الأبيض يدرك ذلك جيدا، ولذلك خفض سقف التوقعات من زيارة بكين قبل أن تبدأ. لم يعد الحديث عن اختراقات كبرى، بل عن إدارة الخلافات، وتمديد هدنة تجارية هشة، وربما تعاون محدود فى ملف إيران. حتى اللغة الأمريكية تغيرت؛ فبدلا من الحديث عن الضغط على الصين، أصبح الحديث عن «التعاون» معها لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

• • •

أما شى جين بينج، فسوف يستقبل ضيفه الأمريكى بهدوء الرجل الذى يعرف أن الوقت يعمل لمصلحته؛ فالصين لم تتورط فى الحرب، لكنها استفادت من إنهاك الجميع. تراقب الولايات المتحدة وهى تستنزف جزءا من قوتها العسكرية والسياسية فى الخليج، وتراقب أوروبا المرتبكة تحت ضغط الطاقة، وتراقب ترامب وهو يذهب إليها محتاجا أكثر مما كان يتصور.

ولذلك، لن يجلس ترامب أمام شى بالطريقة نفسها التى جلس بها فى ولايته الأولى. آنذاك، كان يذهب إلى بكين محملا بثقة الصعود الأمريكى، أما الآن فهو يصل فيما الصحافة الأمريكية نفسها تتحدث عن رئيس يبحث عن مخرج، لا عن نصر.

المشهد كله يقول إن الحرب الإيرانية لم تضعف طهران وحدها، بل كشفت حدود القوة الأمريكية أيضا. الولايات المتحدة قادرة على الضرب، نعم، لكنها عاجزة حتى الآن عن فرض نهاية سياسية بشروطها. وهذا بالضبط ما يراه الصينيون، وما يقرأه الروس، وما تراقبه العواصم الكبرى بتركيز شديد.

• • •

لكل ما سبق تبدو رحلة ترامب إلى بكين مختلفة تماما.. إنها ليست رحلة المنتصر الذى جاء يفرض شروطه على خصمه الاستراتيجى، بل رحلة رئيس يحاول أن يمنع حربه من التحول إلى عبء تاريخى على رئاسته.

مهتز الخطوة يمشى قلقا.. وربما يدرك، للمرة الأولى منذ سنوات، أن العالم لم يعد يدار بالصوت العالى وحده.

التعليقات