الاستسلام المستحيل فى الشرق الأوسط - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2026 7:53 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

الاستسلام المستحيل فى الشرق الأوسط

نشر فى : الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 6:20 م

 فى حسابات القوة الباردة، تبدو الحروب معادلات واضحة: ضغط عسكرى كافٍ، كلفة اقتصادية خانقة، ثم لحظة انهيار يتبعها استسلام. هكذا قرأ دونالد ترامب الصراع مع إيران، وهكذا تحدث بثقة عن مواعيد نهائية، وضربات ساحقة، ونهايات قريبة. لكن ما يغيب عن هذه المعادلة، أو يتم تجاهله عمدًا، أن الشرق الأوسط لا يقرأ بهذه الطريقة. هنا، لا تُقاس الحروب فقط بميزان القوة، بل بميزان مختلف تمامًا: مزيج من التاريخ، والعقيدة، وعلم النفس الجمعى.

المشكلة فى مقاربة ترامب ليست فقط فى اندفاعه، بل فى افتراضه أن خصمه يفكر مثله. رجل جاء من عالم الصفقات، تحكمه فكرة «النقطة التى ينكسر عندها الطرف الآخر»، يفترض أن هذه النقطة عالمية. لكن الشرق الأوسط، ببساطة، لا يعترف بهذه القاعدة.

حين يطالب ترامب إيران بالاستسلام، ويستغرب تأخره، فإنه يتجاهل حقيقة أساسية: أن فكرة الاستسلام نفسها ليست جزءًا مركزيًا فى الوعى الجمعى لشعوب هذه المنطقة. هنا، لا ينظر إلى الصمود كخيار تكتيكى، بل كقيمة فى حد ذاتها. المجتمعات التى تشكلت على سرديات المقاومة، وعلى فكرة الاستمرار رغم الكلفة، لا ترى فى الموت نهاية مأساوية بالضرورة بل احتمالًا مقبولًا بل أحيانًا ذا معنى.

• • •

هذه ليست مسألة دينية مجردة، ولا خطابًا أيديولوجيًا فقط، بل بنية نفسية عميقة. حين يستدعى مفهوم «الجهاد» فى الوعى العام، فإنه لا يفهم بالضرورة كفعل عسكرى فقط، بل كإطار ذهنى يقبل التضحية، ويعيد تعريف الخسارة نفسها. ومن هنا، يصبح التهديد - مهما كان حجمه - أقل تأثيرًا مما يتصوره من يطلقه.

لذلك، حين لوح ترامب بـ«تدمير إيران فى ليلة واحدة»، لم يكن يرسل رسالة ردع بقدر ما كان يكشف حدود فهمه. التهديد، لكى يكون فعالًا، يحتاج إلى طرف يخافه بالطريقة نفسها، وهذا لا يحدث هنا.

التاريخ القريب يقدم درسًا واضحًا. فى يونيو 1967، جلس قادة إسرائيل ينتظرون اتصالًا من جمال عبدالناصر يعلن فيه الاستسلام بعد هزيمة عسكرية. لم يأتِ الاتصال. لم تنهر الدولة، ولم ينكسر المجتمع، بل حدث العكس تمامًا: بدأت مرحلة طويلة من إعادة البناء، تدرجت من الصمود إلى الدفاع النشط، مرورًا بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى العبور فى 1973. ما بدا نهاية كان فى الواقع بداية لمسار آخر.

هذا النمط يتكرر. الضربات الكبيرة لا تنتج دائمًا استسلامًا بل قد تنتج تصلبًا. الضغط الخارجى، بدل أن يفكك الداخل، يعيد توحيده. وهذا ما يحدث اليوم فى إيران. رغم الضربات، ورغم الخسائر، لا يظهر النظام ولا المجتمع إشارات الانهيار التى بنيت عليها الحسابات الأمريكية.

بل أكثر من ذلك، تشير الوقائع إلى عكس الفرضية الأساسية. إيران لم تستسلم، بل وسعت دائرة الصراع، وأغلقت مضيق هرمز، ورفعت كلفة الحرب على خصومها وعلى الاقتصاد العالمى. التهديدات الأمريكية لم تؤد إلى خفض التصعيد، بل إلى رفع سقفه. وهذا بحد ذاته دليل على خلل فى فهم طبيعة الخصم.

• • •

المفارقة أن هذا النمط من سوء التقدير ليس جديدًا. الذهنية الغربية، فى لحظات كثيرة، تفترض أن الحرب تنتهى عندما تصل الكلفة إلى حد معين، كما حدث مع ألمانيا واليابان فى الحرب العالمية الثانية. لكن إسقاط هذا النموذج على الشرق الأوسط يتجاهل اختلاف البنية بالكامل. هناك دول انهارت تحت القصف الشامل، لكن هنا، كثيرًا ما يُعاد إنتاج الصراع بدل إنهائه.

ومع تكرار التهديدات، تبدأ المشكلة فى التحول من سوء تقدير إلى فقدان مصداقية. حين يعلن الرئيس الأمريكى موعدًا نهائيًا تلو الآخر، ثم يؤجله أو يخفف حدته، تتآكل قوة الردع تدريجيا. التهديد الذى لا ينفذ، أو يعدل باستمرار، يفقد وزنه.

فى الثقافة الشعبية المصرية، هناك جملة ساخرة للفنان عبدالفتاح القصرى تلخص هذا المشهد: «كلمتى لا يمكن تنزل الأرض أبدًا»؛ قبل أن يضيف لاحقًا «تنزل المرة دى». هذه المفارقة الكوميدية تختصر ما يحدث سياسيا: التهديد المستمر، حين يفقد هيبته، يتحول من أداة قوة إلى مصدر ضعف.

فى النهاية، لا يواجه ترامب فقط نظامًا سياسيًا بل يواجه بنية ذهنية لا تستجيب لمنطق الصفقات السريعة أو الضغوط القصيرة. الشرق الأوسط لا يدار بعقلية الضربة الحاسمة، ولا ينكسر عند أول اختبار قاس، هنا الحروب طويلة، والنتائج غير حاسمة، والاستسلام - ببساطة - ليس خيارًا مطروحًا بسهولة.

ولهذا، فإن أكبر خطأ فى هذه الحرب ليس فى حسابات القوة، بل فى سوء فهم الإنسان الذى تمارس عليه هذه القوة.

التعليقات