فى موسكو يتردد هذه الأيام رقمان؛ 1418 و1461. الأول عدد الأيام التى خاض فيها الاتحاد السوفيتى الحرب العالمية الثانية قبل أن يصل إلى برلين منتصرا. الثانى هو عدد الأيام التى بلغها هجوم فلاديمير بوتين على أوكرانيا مع حلول 24 فبراير 2026، أى أنه تجاوز زمن «الحرب العالمية العظمى» نفسها، دون أن يحقق نصرا يُقارن بذلك الإرث الذى يستدعيه الكرملين صباح مساء.
حين قرر بوتين غزو أوكرانيا فى 2022، كان تقديره أن العملية ستكون سريعة، حاسمة، وقصيرة. فى مخيلته ــ كما فى أدبيات الدعاية الروسية ــ صورة رشاقة وقوة «الفيرماخت» الألمانى فى ربيع 1940، حين اجتاحت قوات هتلر أوروبا الغربية بسرعة خاطفة؛ سقطت فرنسا فى ستة أسابيع، وانهارت هولندا فى خمسة أيام، واستسلمت بلجيكا بعد ثمانية عشر يوما. تلك «الحرب الخاطفة» أعادت رسم خريطة القارة فى أشهر قليلة. أراد بوتين مشهدًا مشابهًا فى كييف.
لكن سوء التقدير كان فادحًا. أخطأ زعيم الكرملين فى تقييم كفاءة قواته المسلحة، التى بدت على الورق قوة هائلة، فإذا بها تتعثر لوجستيا وتكتيكيا أمام جيش أصغر عددًا وأكثر مرونة. أخطأ أيضًا فى تقدير قدرة أوكرانيا على الصمود؛ راهن على انهيار سريع للدولة، أو فرار القيادة، أو انقسام داخلى. غير أن الرئيس فولوديمير زيلينسكى بقى فى كييف، وتحولت العاصمة إلى رمز مقاومة، بينما أعاد الجيش الأوكرانى تنظيم صفوفه واستعاد مساحات واسعة من الأراضى التى احتلتها روسيا فى الأسابيع الأولى.
• • •
بعد أربع سنوات، تسيطر موسكو على نحو خُمس الأراضى الأوكرانية، بما فى ذلك القرم وأجزاء من دونباس. لكن الأهداف المعلنة ــ إخضاع أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا ومنعها من الانخراط غربًا ــ لم تتحقق. حتى فى دونباس، الذى يعتبره بوتين «ضرورة استراتيجية»، لم تنجح القوات الروسية فى فرض سيطرة كاملة رغم حرب استنزاف دامية وتقدم بطىء يُقاس أحيانًا بعشرات الأمتار يوميًا.
الخسائر البشرية تضيف بعدًا آخر إلى المأزق. تقديرات مراكز أبحاث غربية تشير إلى مئات الآلاف من القتلى والجرحى فى صفوف الجيش الروسى، فيما يقترب إجمالى الضحايا من الطرفين من رقم غير مسبوق فى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. تعتمد موسكو على نظام حوافز مالية مرتفعة لتجنيد متطوعين من المناطق الفقيرة، وترفع المكافآت إلى مستويات غير مسبوقة، ما يثقل كاهل الميزانيات الإقليمية ويكشف أن «الاحتياطى البشرى غير المحدود» ليس إلا وهما.
رهان بوتين على إنهاك المجتمع الأوكرانى عبر استهداف البنية التحتية للطاقة لم يؤت ثماره. صحيح أن شتاءات الحرب كانت قاسية، وأن ملايين المدنيين عانوا من انقطاع الكهرباء والتدفئة، لكن استطلاعات الرأى فى كييف تظهر أن غالبية واضحة من الأوكرانيين ما زالت ترفض الشروط الروسية، وتعلن استعدادها لتحمل الحرب «طالما لزم الأمر». حسابات الكرملين بأن البرد سيكسر الإرادة السياسية لم تصب الهدف.
• • •
على الصعيد الأوروبى، أخطأ بوتين مرة أخرى. تصور أن الاتحاد الأوروبى سيغرق فى خلافاته الداخلية، وأن بعض الأصوات المعارضة فى اجتماعات بروكسل عبر بودابست ستمنع دعمًا مستمرًا لكييف. لكنه فوجئ بحزم عقوبات متتالية، ومساعدات مالية وعسكرية ضخمة، وقرار استراتيجى بتقليص الاعتماد على الطاقة الروسية. فورقته الأقوى ــ الغاز الرخيص ــ لم تعد سلاحًا فعالًا؛ فالقارة سارعت إلى تنويع مصادرها، ولو بكلفة اقتصادية مرتفعة.
المفارقة أن الحرب التى شنها بوتين لمنع توسع حلف شمال الأطلسى على حدوده، انتهت بانضمام فنلندا والسويد إلى الناتو. بدل إبعاد الحلف، اقترب أكثر من سان بطرسبرج. بدل ترهيب أوروبا، دفعها إلى إعادة التسلح ورفع إنفاقها الدفاعى إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
اقتصاديًا، أظهرت روسيا قدرة على الصمود أمام أكثر من 27 ألف عقوبة غربية، مستفيدة من ارتفاع الإنفاق العسكرى، والتكيف مع الأسواق الآسيوية، ومرونة القطاع الخاص. غير أن مؤشرات التباطؤ باتت واضحة؛ النمو يتراجع، التضخم مرتفع، والعجز يتسع مع انخفاض عائدات النفط والغاز. قد تستطيع الأنظمة السلطوية تحمل الضغط فترة أطول، لكنها لا تلغيه.
• • •
فى عامه الخامس، يبدو هجوم بوتين حربًا بلا نتائج حاسمة. لا انتصار سريع، ولا استسلام أوكرانى، ولا انقسام غربى قاتل. كلما طال الزمن، اتسعت الفجوة بين صورة ستالين المنتصر فى 1945، وصورة قائد روسى غارق فى حرب استنزاف تستنزف بلاده اقتصاديًا وبشريًا وسياسيًا. السؤال لم يعد متى تنتصر روسيا، بل كيف يمكن لبوتين أن يبيع أى مخرج على أنه انتصار. وحتى ذلك الحين، تستمر الحرب؛ مكاسب قليلة، وخسائر فادحة، وإرث ثقيل سيلاحق الكرملين طويلا بعد صمت المدافع.