من فنزويلا إلى إيران.. القهر فى الداخل يدعم الاستعمار من الخارج - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الأربعاء 4 فبراير 2026 3:40 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

من فنزويلا إلى إيران.. القهر فى الداخل يدعم الاستعمار من الخارج

نشر فى : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 6:50 م

لا خلاف على وجود الإمبريالية، ولا جدال فى أن قوى كبرى ما زالت ترى العالم ساحة مفتوحة لابتلاع الثروات وإعادة رسم النفوذ، مهما تغيّرت الشعارات أو تبدّلت الأدوات. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل حقيقة تاريخية موثّقة، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، ومن الانقلابات الناعمة إلى الحروب الصلبة. وقد بدت هذه الحقيقة أكثر فجاجة خلال العام الأخير، مع عودة خطاب الهيمنة الصريح إلى الواجهة فى ظل إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، من فنزويلا إلى تهديدات مفتوحة لإيران، مرورًا بلغة القوة العارية التى لم تعد تُغلّف بدعوى الديمقراطية أو حقوق الإنسان.

لكن السؤال الأهم، والأكثر إزعاجًا، لا يتعلق فقط بشهية المستعمر أو أطماعه، بل بمدى سهولة مهمته.. لماذا تنجح القوى الإمبريالية، مرارًا وتكرارًا، فى إخضاع دول غنية بالموارد، ذات تاريخ وحضارة، بأقل كلفة ممكنة؟ كيف سقط العراق عام 2003 بهذه السرعة، رغم شعارات «الصمود والتصدى»؟ ولماذا بدت فنزويلا، رغم ثروتها النفطية الهائلة، هشّة إلى حد اختطاف رئيسها وزوجته من غرفة النوم؟ ولماذا تقف إيران اليوم، مرة أخرى، كهدف محتمل إذا لم تضبط سلوكها على بوصلة إسرائيل وأمريكا أو تركع على ركبتيها؟

• • •

الجواب المؤلم يبدأ من الداخل.. الاستعمار الخارجى لا يهبط من السماء، بل يجد له أرضًا ممهدة. القهر فى الداخل، غياب الديمقراطية، سحق الكرامة الفردية، وتحويل المواطن إلى تابع صامت أو خائف، هى أعظم هدايا الأنظمة المستبدة لأعداء أوطانها. حين يُختزل الوطن فى شخص الزعيم، وتُختزل الدولة فى أجهزة القمع، وتُجرَّم السياسة، ويُخوَّن الاختلاف، تتحول الوطنية من شعور حى إلى ضجيج فارغ، وتتحول مقاومة التدخل الخارجى إلى شعار يستخدم لتبرير استمرار القهر.

صورة «الزعيم الملهم»، و«الولى الفقيه»، الذى لا يخطئ ولا يُسأل عما يفعل، ليست فقط كذبة سياسية، بل قنبلة موقوتة؛ ذلك أنها تعطل المجتمع، وتشل النخب، وتكسر العلاقة الطبيعية بين المواطن ووطنه؛ فالمواطن المقموع لا يدافع عن الدولة، بل عن نفسه. وحين تسحق هذه النفس، يصبح الدفاع عن الوطن عبئًا أخلاقيًا لا طاقة له به.

• • •

فى إيران اليوم، تبدو هذه المعادلة واضحة.. سنوات من إغلاق المجال العام، وقمع الاحتجاجات، وتجريم المعارضة، حوّلت المجتمع إلى كتلة غضب مكتوم، ومع كل موجة احتجاج، تواجه السلطة الشارع بالقمع، وتغيب السياسة لصالح الأمن. تقارير صحفية غربية وحقوقية تحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال أيام قليلة من القمع المكثف، فى مشهد يختصر كيف يمكن لدولة أن تُضعف نفسها من الداخل، بينما تواجه تهديدات خارجية متزايدة.

وفى فنزويلا، لم يكن التدخل الخارجى منفصلًا عن الانهيار الداخلى. نظام نيكولاس مادورو واجه الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية بالتشدد الأمنى وتفريغ المؤسسات من معناها. ومع تآكل الشرعية، تحولت الدولة النفطية الغنية إلى كيان هش، مفتوح للعقوبات والضغوط، من دون حاجة إلى تدخل عسكرى مباشر اللهم إلا اختطاف الرئيس وزوجته من بين رجاله، الذين يبدو أنهم باعوه كما جرت العادة فى هذه المواقف.

العراق بدوره قدّم المثال الأكثر قسوة. قبل غزو 2003، كان المجتمع قد أُنهك تحت حكم شمولى صادر السياسة ودمّر أى إمكانية لبناء عقد اجتماعى. وعندما جاءت اللحظة الحاسمة، سقط النظام سريعًا، وانهارت الدولة، ودُفع البلد إلى فوضى ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

• • •

آلة القمع، مهما ادّعت حماية السيادة، تفعل العكس تمامًا. هى تفرغ الوطنية من مضمونها، وتزرع اللامبالاة، أو حتى التشفّي. وحين يأتى الخطر، لا تجد الدولة شعبًا مستعدًا للتضحية، بل مجتمعًا منهكًا أو متفرجًا.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الحرية الفردية ترف يمكن تأجيله بحجة مواجهة الاستعمار؟ التجربة تقول بوضوح: لا مقاومة بلا مواطن حر. الإنسان الذى لا تُصان كرامته، ولا يشعر أن الوطن وطنه، لن يدافع عن نظام قهره، ولن يقاتل من أجل دولة لم تعترف به.

الإمبريالية تستغل الضعف، لكنها لا تصنعه وحدها. الضعف ينتَج محليًا، حين يدار الحكم بالخوف بدل المشاركة، وبالقمع بدل العدالة. الحرية ليست مقايضة مع مقاومة الاستعمار، بل شرطها الأول. ومن يتجاهل ذلك، يفتح أبواب بلاده، دون أن يدرى، لأول مستعمر يطرقها.

التعليقات