شهدت نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 تحولاً مفصليًا فى مسار الذكاء الاصطناعى؛ حيث انتقل مركز الثقل من النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) التى تكتفى بالاستجابة للأوامر، إلى ظهور الوكلاء المستقلين (Agentic AI) القادرين على التخطيط، واتخاذ القرارات، وتنفيذ سلاسل معقدة من المهام بشكل شبه ذاتى. هذا التحول ليس مجرد تطور تقنى؛ بل هو إيذان ببدء حقبة «اقتصاد التوقع» (Economy of Prediction)، حيث لم يعد النجاح الاقتصادى يرتكز على التفاعل مع المستخدم؛ بل على التنبؤ بسلوكه واحتياجاته وتنفيذها قبل أن يطلبها.
يمثل صعود الوكلاء المستقلين تحولاً بنيويًا فى العلاقة بين الإنسان والآلة، وينقل قوة الذكاء الاصطناعى من مجرد أداة إلى شريك تنفيذى، وهو ما يتضح عبر المحاور التالية:
1- أتمتة سلاسل القيمة المتكاملة: لم يعد الذكاء الاصطناعى مقتصرًا على تحسين مهمة واحدة، بل أصبح قادرًا على امتلاك سلاسل قيمة كاملة. فالوكلاء المستقلون، وخاصةً فى بيئات الأعمال، بدأوا فى إدارة تدفقات العمل الشاملة (End-To-End Workflows)، مثل إدارة دورة حياة المنتج من الفكرة إلى التسويق، أو إدارة سلسلة الإمداد من التنبؤ بالطلب إلى التفاوض مع الموردين وتنفيذ الدفع.
2- الانتقال من «الذكاء السلبى» إلى «الذكاء الفاعل»: كان الذكاء الاصطناعى فى السابق «سلبيًا» (Passive)، ينتظر الإدخال البشرى. أما الوكلاء المستقلون فهم «فاعلون» (Active)؛ حيث يراقبون البيئة، ويحددون الأهداف، ويخططون للمسارات، ويصححون أخطاءهم ذاتيًا (Self-Correction) دون توجيه مباشر. هذا التحول يعنى أن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد أداة مساعدة؛ بل أصبح محركًا للعمليات ومولدًا للقرار.
3- ظهور نماذج أعمال «الوكيل أولاً» (Agent-First Business Models): بدأ الباحثون فى تحديد نماذج أعمال جديدة تتشكل فى عصر الوكلاء المستقلين. فبدلاً من التركيز على واجهة المستخدم الرسومية (GUI) أو التطبيق؛ يصبح الوكيل المستقل هو المنتج الأساسى. وتتراوح هذه النماذج بين «النموذج المعزز» (Augment Model) الذى يضيف الوكيل إلى منتج قائم، و«نموذج الشبكة» (Network Model) الذى يعتمد على تفاعل الوكلاء مع بعضهم بعضًا لخلق قيمة، وصولاً إلى «نموذج الأتمتة الكاملة» (Full Automation Model) الذى يبيع الخدمة كعملية ذاتية التنفيذ بالكامل.
• • •
يَعِد اقتصاد التوقع بفوائد اقتصادية هائلة؛ ولكنه يفرض فى الوقت ذاته تحديات غير مسبوقة على الشركات التى لم تستعد بعد لهذا التحول.
1- تعظيم القيمة من «بيانات النية»: يتيح اقتصاد التوقع للشركات استخلاص قيمة هائلة من «بيانات النية» (Intent Data) التى يولدها المستخدمون والوكلاء المستقلون. فبدلاً من تحليل ما فعله المستخدم (السلوك الماضى)، يمكن للشركات التنبؤ بما سيفعله (النية المستقبلية). هذا التنبؤ بدوره يمكن أن يحسن دقة الإعلانات، ويقلل من هدر الموارد، ويسمح بتقديم خدمات مخصصة بشكل فائق؛ وهو ما يزيد من الإيرادات ويقلل من تكاليف التشغيل.
2- زيادة الإنتاجية المعرفية: يركز الوكلاء المستقلون على أتمتة المهام المعرفية المعقدة التى كانت تتطلب سابقًا موظفين ذوى مهارات عالية. وهذا لا يعنى فقط توفير التكاليف؛ بل يعنى زيادة «الإنتاجية المعرفية» (Cognitive Productivity) للمؤسسة ككل. فبدلاً من أن يقضى المحلل ساعات فى جمع البيانات، يقوم الوكيل المستقل بتنفيذ المهمة فى دقائق.
3- تسريع دورة الابتكار: يتيح الوكلاء المستقلون للشركات تسريع دورة الابتكار بشكل كبير. ففى مجال البحث والتطوير، يمكن للوكلاء تصميم وإجراء التجارب الافتراضية، وتحليل النتائج، واقتراح الفرضيات الجديدة بشكل متواصل. وهذا يقلل من الوقت اللازم لطرح المنتجات والخدمات الجديدة فى السوق؛ مما يمنح الشركات التى تتبنى هذا النموذج ميزة تنافسية حاسمة.
• • •
على الرغم من الوعود الاقتصادية؛ يواجه تبنى الوكلاء المستقلين تحديات هيكلية عميقة، تتطلب إعادة تقييم شاملة للبنية التحتية والجاهزية التنظيمية.
1- تحدى «جاهزية البيانات» (Data Readiness): تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من مشاريع الذكاء الاصطناعى المؤسسية التى تبدأ فى عام 2026 ستفشل بسبب عدم جاهزية البيانات. فالوكلاء المستقلون يتطلبون بيانات نظيفة، ومنظمة، وموثوقة، ومحدثة باستمرار؛ وهو ما لا يتوفر فى العديد من المؤسسات التى لا تزال تعتمد على أنظمة بيانات قديمة ومجزأة.
2- الأمن السيبرانى للوكلاء المتعددين: مع تزايد عدد الوكلاء المستقلين المتصلين ببعضهم بعضًا، تتسع «مساحة الهجوم السيبرانى» (Cyber Attack Surface) بشكل كبير. فإذا تم اختراق وكيل واحد، يمكن للمخترق أن يصل إلى شبكة كاملة من الوكلاء والأنظمة المتصلة. وهذا يتطلب استراتيجيات أمن سيبرانى جديدة تركز على «أمن الوكيل» (Agent Security) وتضمن أن تكون الاتصالات بين الوكلاء مشفرة وموثوقة.
3- مشكلة «التحيز الخوارزمى المتراكم»: على الرغم من الجهود المبذولة لتقليل التحيز فى النماذج الأولية؛ فإن الوكلاء المستقلين يواجهون تحديا جديدا يتمثل فى «التحيز المتراكم». فالوكيل الذى يتخذ قرارات متتالية بناءً على بيانات متحيزة قد يضخم هذا التحيز مع كل خطوة تنفيذية؛ مما يؤدى إلى نتائج كارثية على المدى الطويل، خاصة فى مجالات التوظيف، أو الإقراض، أو العدالة. إن تدقيق التحيز فى نظام وكلاء متعددين ومتفاعلين هو تحدٍّ تقنى وأخلاقى لم يتم حله بعد بشكل كامل.
• • •
يفرض صعود الوكلاء المستقلين تحديات تنظيمية وأخلاقية غير مسبوقة، تتطلب من الحكومات والمشرعين إعادة النظر فى مفاهيم المسئولية والملكية والشفافية.
1- المسئولية القانونية للقرار الذاتى: من يتحمل المسئولية القانونية عندما يتخذ الوكيل المستقل قرارا خاطئا يؤدى إلى خسارة مالية أو ضرر مادى؟ هل هى الشركة المطورة للوكيل، أم الشركة التى استخدمته، أم الموظف البشرى الذى أشرف عليه؟ إن غياب إطار قانونى واضح يحدد «شخصية الوكيل» (Agent Persona) ومسئوليته يمثل عائقا كبيرا أمام التبنى الكامل لهذه التكنولوجيا.
2- تحدى «الشفافية والثقة» (Transparency and Trust): نظرا لأن الوكلاء المستقلين يتخذون قراراتهم بناءً على سلاسل معقدة من التخطيط والتنفيذ، يصبح من الصعب تتبع وفهم منطق القرار. وهذا يهدد مبدأ «الشفافية» و«الثقة» فى الأنظمة الحساسة، مثل الرعاية الصحية أو الأنظمة المالية. ويتطلب ذلك تطوير معايير جديدة لـ«الذكاء الاصطناعى القابل للتفسير» (Explainable AI) تضمن إمكانية تدقيق قرارات الوكيل بعد وقوعها.
3- أخلاقيات «الأتمتة المعرفية»: يثير صعود الوكلاء المستقلين تساؤلات أخلاقية حول «قيمة العمل البشرى» و«التحيز الخوارزمى». فإذا كان الوكيل المستقل قادرا على أداء مهام معرفية معقدة بكفاءة أعلى، فما هو الدور المتبقى للإنسان؟ ويتطلب ذلك حوارا مجتمعيا واسعا حول كيفية توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة الصالح العام، وضمان أن تكون الأنظمة الذكية مصممة لتعزيز القيم الإنسانية بدلاً من تقويضها.
ختاما، إن «اقتصاد التوقع» الذى يقوده صعود «الوكلاء المستقلين» ليس مجرد موجة تقنية عابرة؛ بل هو تحول هيكلى يُعيد تعريف مفهوم القيمة الاقتصادية والعمل البشري. ففى عالم لم يعد فيه النجاح يكمن فى التفاعل؛ بل فى التنبؤ والتنفيذ الذاتى، ستجد الشركات نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتبنى هذا النموذج وتصبح «منظمة استباقية» (Proactive Organization)، أو أن تظل «منظمة تفاعلية» (Reactive Organization) وتتخلف عن الركب. وتكشف هذه المرحلة عن أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعى تكمن فى قدرته على أتمتة «النية» و«القرار»، وليس فقط «البيانات» و«العمليات». ويُنذر هذا المسار بـ«تضخم فى الإنتاجية» و«تآكل فى الوظائف المعرفية المتوسطة»؛ مما يفرض على الحكومات والمؤسسات التعليمية إعادة هيكلة برامجها لتدريب «مدربى الوكلاء» و«مدققى الأنظمة الذكية». فالنجاح فى هذا العصر سيعتمد على قدرة الشركات على الموازنة بين الابتكار الجرىء فى تبنى الوكلاء المستقلين، والتحصين الاستراتيجى ضد مخاطر الاستقلالية المفرطة، وتطوير أطر تنظيمية تضمن أن يكون هذا الاقتصاد الجديد محركاً للنمو المستدام والعادل.
ميرنا محمد
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/yypss952