أدى صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعى، خاصة الذكاء الاصطناعى التوليدى، إلى تصاعد الجدل حول مستقبل الإبداع بوصفه قضية معرفية وسياسية وثقافية تتجاوز حدود الفن والتقنية. فمع قدرته المتنامية على إنتاج النصوص والصور والموسيقى والمحتوى الرقمى يبدو فى كثير من الأحيان مبتكرًا عبر توظيف «الخوارزميات الابتكارية»، لم يعد الجدل مقتصرًا على جودة المخرجات، بل امتد ليشمل طبيعة الإبداع ذاته، وحدود الوعى فى إنتاجه، ودور الإنسان فى منحه المعنى والغاية. وفى الوقت نفسه، تحول الإبداع المدعوم بالذكاء الاصطناعى إلى ساحة يتقاطع فيها النفوذ الثقافى مع تنافس القوى الكبرى على تشكيل السرديات والوعى الجمعى العالمى، بما يعيد تعريف مفاهيم القوة الناعمة والإبداع والأصالة فى العصر الرقمى.
• • •
أحدث صعود الذكاء الاصطناعى تحولًا هيكليًا فى فهم الإبداع وطبيعة إنتاجه، إذ لم يعد الإبداع نشاطًا إنسانيًا خالصًا يعتمد على الخبرة والتجربة الذاتية فحسب، بل أصبح مجالًا تتداخل فيه الخوارزميات مع الخيال البشرى فى مراحل التكوين والتنفيذ، وقد أفضى هذا التحول إلى إعادة النظر فى مفاهيم راسخة مثل الأصالة والمهارة والغاية الإبداعية، مع اتساع استخدام النماذج التوليدية فى مختلف القطاعات الإبداعية. وفى هذا الصدد، تتمثل أبرز اتجاهات التغير فى صناعة الإبداع فى عصر الذكاء الاصطناعى فى التالى:
1- توسع حضور الذكاء الاصطناعى فى المجال الإبداعي: يشهد المجال الإبداعى توسعًا غير مسبوق فى توظيف الذكاء الاصطناعى، حيث لم يعد مقتصرًا على الدعم التقنى، بل أصبح جزءًا هيكليًا من عملية الإنتاج الإبداعى نفسها، فقد دخلت النماذج التوليدية فى صياغة النصوص، وتصميم الصور، وتأليف الموسيقى، وإدارة المحتوى الرقمى، ما أدى إلى إعادة تشكيل دورة الإبداع من الفكرة إلى النشر، ويعكس هذا التوسع تحولًا فى مفهوم الأداة، إذ بات الذكاء الاصطناعى شريكًا فى التكوين لا مجرد وسيلة تنفيذ.
2- استمرار التباين بين الإبداع البشرى والاصطناعى: يرتكز الإبداع الإنسانى على التجربة الذاتية والوعى والقصد، وهى عناصر تمنح العمل عمقًا رمزيًا وقدرة على التعبير عن المعنى والسياق. فى المقابل، يقوم الإبداع الاصطناعى على معالجة أنماط ضخمة وإعادة تركيبها وفق احتمالات حسابية، دون امتلاك نية أو إدراك لما ينتجه. ورغم أن مخرجات الذكاء الاصطناعى قد تبدو مبتكرة، فإنها تفتقر إلى البعد الشعورى المرتبط بالخبرة الإنسانية، ويظل هذا الفارق الجوهرى فاصلًا بين الإبداع بوصفه فعلًا واعيًا، والإنتاج الخوارزمى بوصفه نتيجة تقنية.
3- إعادة تعريف مفهوم "الأصالة الإبداعية": أدى صعود الذكاء الاصطناعى إلى زعزعة الفهم التقليدى للأصالة الإبداعية، التى كانت تُربط حصريًا بالتجربة الفردية والعبقرية الشخصية، حيث باتت الأصالة تُقاس بقدرة العمل على مفاجأة المتلقى وتجاوز الأنماط السائدة، حتى وإن كان ناتجًا عن خوارزميات آلية. ومع ذلك، يظل الجدل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الأصالة الخوارزمية كافية بذاتها، أم أنها تحتاج إلى تدخل إنسانى يمنحها دلالة ومعنى. وبهذا، تتحول الأصالة من صفة فردية خالصة إلى نتاج تفاعل بين الإنسان والنظام التقنى.
4- انتشار ثقافة «الإبداع للجميع» و«النمطية الفنية»: أسهم الذكاء الاصطناعى فى إزالة حواجز الدخول إلى المجال الإبداعى، مع تمكين فئات واسعة من إنتاج محتوى بصرى وسمعى ونصى دون تدريب طويل. وقد عزز ذلك مفهوم «الإبداع للجميع»، حيث لم تعد المهارة التقنية شرطًا أساسيًا للمشاركة، غير أن هذا التمكين السريع يثير مخاوف من تسطيح الخبرة الإبداعية وتراجع قيمة التراكم المعرفى، كما قد يؤدى الاعتماد المفرط على الخوارزميات إلى تشابه الأساليب وتآكل الفوارق الفنية التى تشكل جوهر التنوع الثقافى.
• • •
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعى على إعادة تشكيل العملية الإبداعية ذاتها، بل امتد ليطال موازين النفوذ الثقافى والسياسى على المستوى الدولى، محولًا الإبداع إلى أداة تأثير ناعم تتجاوز حدود الفن والإعلام التقليدى. فمع هيمنة الخوارزميات على تنظيم المحتوى وتوجيه التفاعل الرقمى، باتت القدرة على إنتاج وتوزيع المحتوى المولد آليًا عاملًا حاسمًا فى تشكيل الوعى الجمعى وتوجيه الرأى العام. وفى هذا الإطار، يتقاطع تطور الذكاء الاصطناعى مع تنافس القوى الكبرى على النفوذ الرمزى والثقافى، إلى جانب تصاعد مخاطر الاحتكار والتلاعب واتساع الفجوة المعرفية. وفى هذا السياق، يمكن الإشارة لعدد من التداعيات السياسية المترتبة على توسع توظيف الذكاء الاصطناعى فى "صناعة الابداع" تتمثل فى التالي:
1- تحول "الإبداع الاصطناعي" إلى أداة قوة ناعمة: أعاد الذكاء الاصطناعى تشكيل مفهوم القوة الناعمة عبر انتقال التأثير من الأدوات الثقافية التقليدية إلى الخوارزميات التى تنظم تدفق المحتوى وتوجه التفاعل اليومى للأفراد. فمع انتشار النماذج التوليدية، باتت هذه الأنظمة تؤثر فى تشكيل التفضيلات والآراء دون وعى مباشر من المستخدم. كما يسمح اعتماد الخوارزميات فى ترتيب المحتوى وتوصيفه ببناء تصورات جديدة عن الواقع والسياسة والثقافة، ويمنح هذا التحول الدول والشركات المالكة لهذه التقنيات قدرة غير مباشرة على التأثير فى السلوك الاجتماعى. وبذلك، يتحول الذكاء الاصطناعى من أداة تقنية إلى وسيلة نفوذ ناعم عميق التأثير.
2- تصاعد التنافس الدولى على «الإبداع الخوارزمى»: يشهد النظام الدولى تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى على تطوير نماذج ذكاء اصطناعى أكثر جاذبية وتأثيرًا فى المجال الثقافى والإعلامى. ولم يعد التفوق التقنى كافيًا، بل أصبحت الثقة والقبول الشعبى معيارًا حاسمًا فى قياس النفوذ. وتسعى بعض الدول إلى تقديم نماذج قادرة على إنتاج محتوى يتماشى مع قيمها وسردياتها السياسية، غير أن المخاوف المرتبطة بالخصوصية والمراقبة تحد من انتشار بعض هذه النماذج عالميًا خاصةً فى ظل تصاعد الصراع بين القوى الكبرى على تشكيل الوعى العالمى.
3- تزايد هيمنة المنصات التقنية على الإبداع العالمي: أدى الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعى إلى تركز غير مسبوق للسلطة داخل عدد محدود من المنصات التقنية الكبرى التى تمتلك البيانات والبنية التحتية والقدرات التقنية، وبات الإبداع المعاصر مرتبطًا بالوصول إلى هذه المنصات، ما يجعلها فاعلًا مركزيًا فى توجيه الذوق العام وتحديد معايير الإنتاج الثقافى، كما تُفرض أنماط جمالية وأساليب عمل تتماشى مع منطق المنصات المهيمنة وخوارزمياتها. ويخلق هذا الواقع تبعية جديدة للمبدعين، الذين يعتمدون على أدوات الشركات للوصول إلى الجمهور، وبذلك، يُعاد رسم حدود النفوذ داخل الاقتصاد الإبداعى العالمى.
4- تنامى مخاطر توجيه الرأى العام عبر الذكاء الاصطناعي: يتزايد القلق من استخدام المحتوى المولد آليًا فى توجيه الرأى العام وصياغة سرديات يصعب تمييز مصدرها البشرى من الاصطناعى، فإنتاج النصوص والصور والفيديوهات بشكل واسع قد يؤدى إلى إرباك الجمهور وتقويض الثقة بالمعلومات، كما تُستخدم هذه التقنيات فى تعزيز ما يُعرف بـ«القوة الحادة»، عبر التأثير غير الشفاف فى الوعى الجمعى، ويؤدى غياب الشفافية فى عمل الخوارزميات إلى توسيع فجوة الحقيقة وزيادة قابلية التلاعب بتوجهات الرأى العام وتشكيل تفضيلاته.
5- تصاعد آفاق التنظيم وحوكمة الإبداع مستقبلًا: فى مواجهة هذه التحولات والمخاطر، تبرز الحاجة إلى نموذج متوازن يقوم على شراكة تكاملية بين الإنسان والآلة، لا على الاستبدال. ويقتضى ذلك وضع أطر تشريعية وأخلاقية تنظم تدريب واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعى فى المجال الإبداعى. كما يتطلب تعزيز الشفافية والمساءلة وحماية الحقوق الإبداعية للبشر. ويسهم الاستثمار فى التدريب والوعى المهنى فى تقليل الانحيازات وسوء الاستخدام. وبهذا، يمكن توجيه الذكاء الاصطناعى ليكون أداة دعم للإبداع الإنسانى لا آلية للهيمنة عليه.
وختامًا، فإن الذكاء الاصطناعى، رغم قدرته على إنتاج مخرجات إبداعية متقدمة، لا يمتلك مقومات الإبداع الإنسانى المرتبطة بالقصد والوعى والمعنى، ما يجعله فاعلًا مكملًا لا بديلًا للبشر. وفى الوقت ذاته، يكشف تمدده فى المجال الثقافى عن تحول الإبداع إلى أداة نفوذ ناعم تعيد رسم موازين التأثير بين الدول والمنصات والأفراد. ومن المتوقع أن يتعمق هذا الدور خلال المرحلة المقبلة مع اتساع الاعتماد على النماذج التوليدية فى الإعلام والثقافة والتعليم، بالتوازى مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالاحتكار والتوجيه غير الشفاف للرأى العام. وسيظل مستقبل الإبداع مرهونًا بقدرة المجتمعات على بناء شراكة متوازنة بين الإنسان والآلة، تُحافظ على مركزية المعنى الإنسانى، وتُخضع الخوارزميات لحوكمة أخلاقية وتنظيمية تضمن التنوع والاستقلال الثقافى.
صباح عبدالصبور
موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية