بات تسارع تطور الثورة الرقمية خارج التوقعات. وتخطت ابتكاراتها المذهلة سرعة الدقائق والثوانى إلى حد غير مسبوق فى تواريخ الحضارات البشرية. فالذكاء الاصطناعى وضع الحياة اليومية للإنسان على فوهة تناقضات تجمع بين الترحيب والقلق، التبنى والحذر، التشويق وسؤال التمنى بخطوط حمر. تلك كانت صرخة دافيد كولون لإعلان حالة طوارئ معلوماتية عالمية.
حضور الصين وشركائها
هل لا تزال هذه القوة والنفوذ حكرا تكنولوجيا وثورة رقمية على الولايات المتحدة الأمريكية؟
هنا تحضر الصين وشركاتها! حيث باتت «تيك توك» أقوى سلاح معلومات تم ابتكاره على الإطلاق (آخر صفقة بين الشركة الصينية والحكومة الأمريكية لحصر نفوذ الشركة بإمرة أمريكية داخل أمريكا)، وتحضر أيضا خطط الهجومات السيبرانية التى تنفذها روسيا بين حين وآخر وغيرها من الدول. نشير هنا إلى ما كشفه إدوارد سنودن وهو موظف سابق فى «سى. آى. إى» والـ «أن. أس. آ» فى يونيو 2013 عن وجود نظام ضخم فى أمريكا لجمع المعلومات يعتمد على برنامج لمكافحة التجسس. ما لبثت روسيا أن دشنت فى العام 1996 نظامها الخاص لتحديد المواقع بواسطة الأقمار الاصطناعية الذى غطى كامل مساحة الكرة الأرضية، وفى العام 2003 أطلقت الصين نظامها الخاص الذى أتيح الوصول إليه للجمهور. وفى العام 2013 طورت روسيا أنظمة لتشويش نظام «جى. بى. إس» واختبرت روسيا والصين صواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية، ما دفع الولايات المتحدة إلى تطوير أقمارها أنظمة تصفح لا تحتاج إلى «جى. بى. إس».
وفى خضم هذه الثورة الرقمية وظهور وسائل التواصل الاجتماعى، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وبسبب تفوقها التكنولوجى وعقيدتها الداعية إلى الهيمنة فى حقل المعلومات إلى ابتكار ما سمته بالدبلوماسية الرقمية، إذ فى العام 2012 كان لمعظم رؤساء الدول والحكومات عبر العالم حسابات على تويتر (إكس حاليا) بما فيهم، حينها، الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد، على الرغم من منعه المنصة فى بلاده.
يعرض كولون لعدد من الدول فى مجال الحرب المعلوماتية، تبعا للمستوى المتطور من ابتكاراتها أو استخداماتها، فيقول إن إسرائيل انتقلت إلى الهجوم عبر استخدامها هذه الوسائل، لا بل تفوقت، والدليل على ذلك الاتفاقات التكنولوجية التى تربطها بعدد من الدول وأبرزها الهند.
فى حرب المعلومات لا تتوانى الدول عن ترسيم حدود المعرفة المتاح لشعوبها الاطلاع عليها، فتحجب هنا، وتمرر هناك، مع إخفاقات فى صد الهواء الرقمي. يعطى المؤلف المثال على تدخل روسيا ضد هيلارى كلينتون بانتخابات أمريكا الرئاسية فى العام 2015 لمصلحة ترامب، وعلى أنموذج ثان فى سياق الحرب السيبرانية العالمية، ويتوقف عند عملية الألعاب الأولمبية ضد البرنامج النووى الإيرانى الذى قادته أمريكا، ثم ما لبثت إيران فى خريف العام 2012 أن قادت هجوما مضادا دمر فيروس «فلام» الذى زرعته الـ«إن. إس.آ» فى حواسيب وزارة النفط الإيرانية والشركة الإيرانية الوطنية للنفط.
وهكذا أصبح الفضاء السيبرانى فى بدايات العقد الثانى من هذا القرن موضوعا جيوسياسيا فى غاية الأهمية وساحة مفضلة للخصومات والمواجهات التى تدور فى شتى أبعاد الشبكات الرقمية، إن على مستوى البنى التحتية (المعدات والحواسيب والكابلات) أو على مستوى البروتوكولات واللغات المعلوماتية أو على المستوى المعرفى أى المحتوى.
تزييف المحتوى بالذكاء الاصطناعى
فى خضم هذه الثورة الرقمية اللامحدودة التطور، أخذ الجانب النفسى لدى الشرائح الاجتماعية يحضر بقوة. هذا ما يتناوله كولون تحت عنوان «نظريات المؤامرة والحرب النفسية»، ويتحدث عن دور ألكسندر كوغان وهو محاضر أمريكى شاب يعمل باحثا فى جامعة كامبريدج فى المملكة المتحدة عندما شرح أمام جمهور عريض كيف أن من الممكن قول كل شىء تقريبا عن شخص، انطلاقا من نقرات الإعجاب على فيسبوك بما فى ذلك شخصيته وذكاؤه ورفاهه العام، واصفا كيف استطاع أن يجمع، وبتكلفة زهيدة، معلومات حول تفضيلات عدد كبير من مستخدمى وسيلة التواصل الاجتماعى، كما حول أصدقائهم وأعمارهم وبياناتهم الديمجرافية وتفاصيل شخصية أخرى تخصهم. عمل كوغان على ما يدعوه علماء النفس بالثالوث المظلم أى: الاعتلال النفسى والنرجسية والميكافيلية المرتبطة بالإفراط فى استخدام الإنترنت.
أما التزييف العميق، أى عمليات تزييف المحتوى بواسطة الذكاء الاصطناعى، فسيكون مستقبل الحرب المعرفية بهدف السيطرة على العقول واجتذاب الشباب والاستثمار المالى لما يخلفه من «الإدمان والتبعية والسمية والتجديد»، وقد بدأت مؤشراتها فى العام 1991 وما زالت مستمرة، وهى تتسم بالتوتر بين الأنظمة وبالتغيير فى النظام الجيوسياسى بين الدول. ولأنها تمتلك ما تمتلكه من قوة التطوير والاستثمار بالتكنولوجيا، وتنطوى أيضا على مواجهة مباشرة بين الأفرقاء فى الإطار المعلوماتى، صارت تمثل تهديدا عالميا، لذلك باتت تستدعى استجابة عالمية للتهديدات العابرة للحدود الوطنية وتطرح بالتالى تحديات عولمية يجب أن يكون الرد عليها عالميا إلى حد كبير.
يصرح كولون بأن على الدول المباشرة بإجراء مناقشات بشأن الترسانات السيبرانية والذكاء الاصطناعى والحوسبة الكمية وإنترنت الأشياء والتفكير فى إنشاء هيئة دولية جديدة للإشراف على تطبيق المعاهدات المستقبلية فى شأن المعلومات للحؤول دون أن يؤدى التوطين المتزايد للبيانات على خوادم سيادية فى داخل الدول إلى بلقنة الإنترنت، أى تقسيم الشبكة العالمية إلى سلسلة من الشبكات الوطنية. وطالب بإخضاع الشركات الرقمية العملاقة للمساءلة «لأن جهة يقوم أنموذجها الاقتصادى على تحقيق الدخل من قدرتها على احتكار انتباه مستخدميها، من غير المرجح أن تبادر تلقائيا إلى السير كليا فى طريق الفضيلة».
منى سكرية
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://bitly.cx/3Xy6J