أخيرًا تم إعادة فتح معبر رفح بين مصر وقطاع غزة.
المعبر من الناحية الفلسطينية احتلته قوات الاحتلال الإسرائيلى فى مايو ٢٠٢٤، وتم إجبارها على إعادة فتحه دخولًا وخروجًا، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الموقع فى شرم الشيخ فى أكتوبر الماضى.
السؤال: ماذا يعنى فتح المعبر الآن؟!
ظنى أن القراءة الهادئة تقول إن فتح المعبر يعنى أن هدف الاحتلال الإسرائيلى الجوهرى المتمثل فى تهجير الفلسطينيين من القطاع تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية قد تم تعطيله وتجميده مؤقتًا، لكن من الموضوعية القول إن مخطط التهجير لم يسقط بصورة كاملة حتى الآن.
نتذكر أيضا أن أحد أهداف العدوان الإسرائيلى الذى استمر عامين من ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحتى ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥، وما يزال مستمرا بصورة أهدأ إلى حد ما، كان تحويل قطاع غزة إلى مكان غير صالح للحياة حتى يضطر سكانه للرحيل.
لكن هذا الهدف تعطل أولا، لصمود الشعب الفلسطينى وثانيا، وربما أولا مكررًا أيضا للموقف المصرى القومى والعروبى والوطنى، الذى تصدى لهذا المخطط ونجح فى إجهاضه، حتى لو كان الأمر بصورة مؤقتة.
تخيلوا لو أن مصر وافقت على المقترحات والعروض والإغراءات والتهديدات الإسرائيلية والأمريكية بشأن تهجير الفلسطينيين، أغلب الظن أن عددا كبيرا من الفلسطينيين كان سيخرج، ولا أحد يمكن أن يلوم شخصا تهدم بيته وكل الحياة حوله، ومات أقاربه، أن يبحث عن مكان بديل أو رحلة علاج.
نتذكر أيضا أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب طلب رسميا من مصر والأردن بعد عودته للبيت الأبيض بأسابيع قليلة أوائل العام الماضى أن يستقبلا سكان غزة حتى يتمكن من إقامة «ريفيرا على شاطئ المتوسط».
ونتذكر أيضا أن سياسيين إسرائيليين هددوا مصر حينا، وحاولوا إغراءها أحيانا بإسقاط كل ديونها الخارجية إذا هى قبلت استقبال كل سكان غزة.
ونتذكر أيضا الأكاذيب الإسرائيلية المستمرة ومنها ما جاء على لسان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى شخصيا حينما افترى على مصر أكثر من مرة، وأشهرها رسالته لمحكمة العدل الدولية بأنها هى التى تمنع دخول المساعدات لغزة بسبب إصرارها على إغلاق المعبر.
ونتذكر أخيرا أن أصواتا مصرية وعربية انساقت خلف هذه الدعاية الصهيونية وتساءلت بسذاجة أو غباء أو تآمر: لماذا لا تفتح مصر معبر رفح؟!
منذ بدايات العدوان استهدفت إسرائيل المعبر أكثر من مرة بغارات ودمرته تماما، بل تعمدت إسقاط العلم الفلسطينى حتى تقضى على أى بادرة أمل لتواصل مصرى فلسطينى مباشر.
وبعد اتفاق شرم الشيخ أصرت على فتح المعبر لخروج الفلسطينيين من غزة فقط دون حقهم فى العودة، لكن مصر رفضت كل ذلك، وتمكنت من إقناع الرئيس الأمريكى وكبار مساعديه بضرورة فتح المعبر دخولا وخروجا.
لم تيئس إسرائيل وأصرت على أن يكون عدد الخارجين الفلسطينيين من القطاع ضعفى عدد الداخلين، حتى تنفذ التهجير لكن بصورة بطيئة، ومرة أخرى رفضت مصر وأصرت على أن يكون عدد الخارجين والداخلين متناسبًا، حتى لا يتحقق التهجير بصورة ناعمة.
وضعت إسرائيل ــ كعادتها ــ كل العراقيل لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، وبذلت مصر كل جهودها لإفشال المخطط الإسرائيلى.
الآن وبعد أن تم فتح المعبر وبدء دخول وخروج الفلسطينيين عبر آلية متفق عليها، يعود معظمها إلى اتفاق ٢٠٠٥، فإنه يحق لمصر أن تشعر بالرضا والتقدير بسبب هذه النهاية الطيبة.
هل معنى ذلك أن مخطط التهجير قد سقط؟ الإجابة هى لا، فإسرائيل ستظل تحاول تنفيذ هذا المخطط بكل الطرق.
يفترض أن الذين هاجموا مصر واتهموها بأنها تتعمد عرقلة افتتاح المعبر أن يشعروا بالخجل، لأنهم كانوا ترسا فى ماكينة الدعاية الصهيونية السوداء.
إسرائيل ستظل تحاول اختراع حجج وأعذار حتى تجبر أكبر عدد من الفلسطينيين على الخروج، وتمنع أكبر عدد من الفلسطينيين من العودة. الجراب الإسرائيلى مملوء بكل أنواع الحيل والألاعيب مدعوما بكل الإمكانيات الأمريكية
لا أحد ينكر أن إسرائيل دمرت قطاع غزة تقريبا وقتلت أكثر من ٧٠ ألفا وأصابت أكثر من ١٧٠ ألفا، لكن مع افتتاح معبر رفح فى الساعات الماضية، فإن جانبًا من أهدافها لم يتحقق، لا أقصد أنها انهزمت، ولا أقصد أن المقاومة انتصرت، لكن جانبا مهما من مخططها تم تعطيله. وعلى الفلسطينيين أن يتوحدوا، وعلى العرب أن يدعموا مصر فى جهودها حتى يمكن تعطيل المخطط الإسرائيلى الأمريكى المنطلق بأقصى سرعة ليس فقط فى غزة أو الضفة لكن فى عموم المنطقة.