ترامب وإيران بين «ماجا» و«تاكو» - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الخميس 5 فبراير 2026 9:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

ترامب وإيران بين «ماجا» و«تاكو»

نشر فى : الإثنين 2 فبراير 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الإثنين 2 فبراير 2026 - 7:25 م

ضمن سياق استراتيجية الضغوط القصوى المُركّبة، القائمة على الغموض وعدم اليقين إزاء طهران؛ يحذّر ترامب من أن الضربة المزمعة ضدها ستكون أشد وطأة من سابقتها، التى اندلعت فى يونيو الماضى. ورغم معارضة الديمقراطيين، لا تزال نوايا الرئيس التصعيدية حيال إيران تحظى بتأييد محلى لا بأس به. فوفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة «بوليتيكو»، يدعمها نحو 50% من ناخبيه، فيما ارتفعت النسبة إلى 61% فى أوساط الجمهوريين المؤيدين له من أنصار حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، أو «ماجا».

 


فى المقابل، يراهن الديمقراطيون على شعار «تاكو»، الذى يشير إلى أن ترامب يتراجع دائمًا ولا يحترم خطوطه الحمر التى يرسمها. فرغم تحشيده ووعيده وعقوباته، يحرص على التلويح بالحوار، معربًا عن أمله فى تجنب عمل عسكرى ضد إيران، التى يثق برغبتها فى إبرام اتفاق تتفادى به ضربته العسكرية الموجعة. وعديدة هى المؤشرات التى توحى بإمكانية تراجع ترامب عن مهاجمة إيران. فداخليًا، يعارض الديمقراطيون أى تصعيد، ويطالبون بتوقيع اتفاق دائم وقابل للتحقق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووى. ويستندون فى ذلك إلى حزمة معطيات، أبرزها أن عملية «مطرقة منتصف الليل» أضعفت برنامجها النووى بشكل كبير. فيما لم ترصد أجهزة الاستخبارات الغربية مؤشرات على تخصيب يورانيوم بمستوى إنتاج صنع قنابل أو رءوس نووية، كما لم تُنشئ إيران مواقع نووية جديدة. ووفق تقييمات استخباراتية أمريكية، إذا تمكنت طهران من استعادة وقودها النووى المدفون وتفعيل منشآت جديدة أو قائمة، ستحتاج نحو شهرين لإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزى والعودة إلى مستوى ما قبل الضربة. وحتى فى حال تخصيب اليورانيوم بمستويات عسكرية، سيستغرق تصنيع القنبلة بضعة أشهر. أما تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية، فخلصت إلى أن هجمات العام الماضى أعادت المشروع النووى الإيرانى إلى الوراء ما بين ستة أشهر إلى سنة.
بموازاة حشودِه العسكرية الضخمة وتهديداته بعمل عسكرى وشيك ضد طهران، اعتمد ترامب تدابير تصعيدية غير عسكرية؛ حيث فرض عقوبات على صادرات النفط وأسطول الظل الإيرانيين، فضلًا عن كيانات ومسئولين إيرانيين بجريرة تورطهم فى القمع الوحشى للمتظاهرين السلميين. كما فرض رسومًا جمركية بواقع 25% على شركاء طهران التجاريين. وتناغمًا مع الضغوط الأمريكية، قرر الأوروبيون فرض عقوبات على 21 كيانًا وفردًا إيرانيًا، كما وافق وزراء خارجية دوله على تصنيف الحرس الثورى منظمة إرهابية جراء تنفيذه حملة القمع الدامية إزاء الاحتجاجات الأخيرة. الأمر الذى يخول ترامب استغلال الغضب الإيرانى الداخلى والتصعيد الأوروبى ضد طهران لتضييق الخناق على نظامها، بما يزيد من عزلته الدولية ويقلص هامش مناوراته.
انطلاقًا من تعقيدات أمنية وأيديولوجية شتى، يبقى إسقاط نظام الولى الفقيه أمرًا شبه مستعصٍ. ذلك أن الإطاحة به عبر التظاهرات أو الضربات تظل صعبة، ما لم تحدث تصدعات داخل النخبة الحاكمة أو المنظومة الأمنية، أو انشقاقات عسكرية واسعة النطاق. كما أن الرهان على تفكيك بنية النظام من الداخل يظل أمرًا غير واقعى؛ حيث تشير التقارير الاستخباراتية الأمريكية إلى تماسك نسبى فى بنية القيادة الإيرانية، رغم الانهيار الاقتصادى وتنامى الغضب الشعبى. فلا يزال النظام قادرًا على امتصاص الصدمات، ولو بضغوط أمنية وكلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة. كما أن عملية تصفية المرشد، إن نجحت، لن تسقط النظام، لأنه يمكن ملء الفراغ القيادى الناجم عن ذلك عبر المسارعة فى تعيين خليفة له. ومن ثم، يتطلب الأمر إنزال قوات برية على الأرض بجانب الضربات الجوية، وهو خيار سيكون محفوفًا بالمخاطر، فيما لا يضمن، حال نجاعته، مجىء قيادة بديلة أقل تشددًا. كذلك، يصطدم الحديث عن إمكانية استنساخ إدارة ترامب السيناريو الفنزويلى فى إيران، بمعنى تغيير القيادة دون الإطاحة بهيكل النظام، بتباينات عديدة بين الحالتين. فخلافًا للحالة الإيرانية، تمكنت واشنطن من اختراق النظام الفنزويلى، وتحييد منظومته الأمنية، واستمالة أجنحة سياسية وعسكرية منه لصالحها، ما سهل اختطاف مادورو.
مقارنة بفنزويلا، تمتلك إيران منظومات دفاع جوى، وصواريخ باليستية، ومسيّرات هجومية، إضافة إلى مقاتلات أمريكية وروسية متقادمة لكنها مجرّبة فى القتال. ومن شأن هذه القدرات العسكرية المتواضعة نسبيًا رفع كلفة أية ضربة عسكرية أمريكية، أو أمريكية ــ إسرائيلية. ولقد اعترف وزير الخارجية الأمريكى بوقوع ما بين 30 و40 ألف جندى أمريكى فى الشرق الأوسط ضمن مديات المسيّرات والصواريخ الإيرانية. ونظرًا لعجزها عن تطوير وتحديث قدراتها التسليحية فى مجالى القوات الجوية والدفاع الجوى بجريرة العقوبات المزمنة، تراهن إيران على صدقية الردع اللامتماثل؛ حيث ستعتمد على تكامل أداء دفاعاتها الجوية المتواضعة، ومخزوناتها من الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب الوكلاء، مع التلويح بإعاقة الملاحة فى مضيق هرمز، معتبرة الأمر «حقًا قانونيًا».
تزامنًا مع الإعلان عن إجراء مناورات بحرية مشتركة مع روسيا والصين، وإلحاق ألف مسيّرة استراتيجية محلية الصنع بالأفواج القتالية، توعّدت إيران بردّ حاسم وفورى يشعل حربًا إقليمية، محذّرة من أن الضربة الأمريكية المحتملة لن تسير بالطريقة التى يتخيلها ترامب، بحيث تكون سريعة وتنتهى فى سويعات؛ حيث لن تمارس طهران ضبط النفس فى ردها هذه المرة، مثلما فعلت فى يونيو الماضى، وإنما سترد بعنف يطال تل أبيب وكل داعمى المعتدين. فى الأثناء، تشى تقارير غير مؤكدة بشأن وصول شحنات أسلحة روسية وصينية إلى إيران، شملت تعزيزات فى مجال الدفاع الجوى والقدرات الصاروخية والقذائف المتطورة. كذلك لوّح وكلاء إيران بمساندتها حال تعرضها لهجوم؛ فبينما ألمح حزب الله اللبنانى، وحركة النجباء، وكتائب حزب الله العراقيين إلى إشعال «حرب شاملة» دعمًا لإيران، هدّد الحوثيون بمهاجمة أية بوارج أو حاملات طائرات أمريكية فى البحرين الأحمر والعربى.
يرفض الجوار الإيرانى، كما روسيا والصين، أى تصعيد عسكرى أمريكى ضد طهران، فيما تتوسط مصر وتركيا لخفض التصعيد. وبموازاة ارتفاع أسعار النفط والمعادن النفيسة، من شأن الضغط الأمريكى المتواصل على النظام الإيرانى، عبر تكثيف التحشيد العسكرى وتكثيف التهديدات باستهداف طهران، رفع منسوب المخاطر وزيادة احتمالات سوء التقدير والحسابات الخاطئة، بما يشعل مواجهة شاملة غير محسوبة.
تصطدم المقاربة الدبلوماسية الأمريكية فى التعاطى مع إيران بمعضلة تحديد هيكل المفاوضات المقترحة ومضمون الاتفاق المتوقع؛ حيث يوقن ترامب بضرورة وضع الإيرانيين فى موقف تفاوضى أضعف، عبر إجبارهم على التفاوض تحت الضغط أو توقيع اتفاق تحت النار. لذا يفرض شروطًا تفاوضية تنزع مخالبهم الاستراتيجية والسياسية، مستغلًا ارتباك النظام داخليًا وعزلته دوليًا؛ حيث يشترط ترامب إنهاءً دائمًا لتخصيب اليورانيوم، وتسليم مخزونه المخصب بنسبة 60%، والمقدّر بـ420 كلج، وتقويض البرنامج الصاروخى عبر تقليص مديات الصواريخ ورءوسها الحربية ووقف تطويرها، إضافة إلى تفكيك شبكات الوكلاء الإقليميين ووقف الدعم لهم، علاوة على كبح جماح تقارب طهران الاستراتيجى المتعاظم مع موسكو وبكين.
فى مسعى منهم لتلافى ضربة أمريكية محققة، يمزج الإيرانيون بين إبداء الرغبة فى التفاوض وإظهار القدرة على الردع. ومن ثم يهددون بجهوزيتهم التامة لخوض حرب شاملة توجع المعتدين وتشعل الإقليم برمته، معربين فى الوقت ذاته عن ترحيبهم بمفاوضات بلا ضغوط أو تهديد أو شروط تعجيزية مسبقة، تبتغى تجريدهم من كل ما يعتبرونه عناصر قوتهم ورمز سيادتهم. ومن ثم يريدون حصر المفاوضات فى البرنامج النووى فقط؛ حيث أكدوا استعداد بلادهم للدخول فى مفاوضات صادقة، حقيقية، عادلة، منصفة، تقوم على الاحترام المتبادل، ومقرونة بضمانات بعدم انسحاب واشنطن من أى اتفاق أو معاودة الهجوم على بلادهم، على أن تفضى إلى اتفاق منصف وعادل يؤمن مصالح الشعب الإيرانى، ويحوى ضمانات بعدم السعى لامتلاك السلاح النووى، مقابل رفع العقوبات. غير أنهم شددوا على خطوطهم الحمر المتمثلة فى إبقاء قدراتهم الردعية، المستندة إلى الصواريخ والمسيّرات، خارج دائرة النقاش أو التفاوض، باعتبارها صلب استراتيجية الردع وآخر مرتكزات شرعية نظامهم وبقائه.
لا تروق تلك المقاربة الإيرانية لإسرائيل؛ فبجريرة معاناتها من ويلات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية فى يونيو الماضى، تصر على أن ينص أى اتفاق على تقويض برنامجيهما. وأثناء زيارته لواشنطن مؤخرًا، ناقش رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) مع المسئولين الأمريكيين تقويمات استخبارية تتعلق بإعادة تأهيل إيران برنامجها للصواريخ الباليستية، بعد تضرره خلال حرب الاثنى عشر يومًا. وبناءً عليه، يبقى قرار التصعيد العسكرى المرتقب ضد إيران مرتهنًا بحسابات الرئيس الأمريكى غير القابل للتنبؤ بقراراته، وغير المتحرر كليًا من الضغط والابتزاز الإسرائيليين، فيما تظل حدوده ومآلاته أسيرة لمخرجات الصراع بين جدية التهديد الأمريكى وصدقية الردع الإيرانى.

التعليقات