احتمالات ضرب إيران وسيناريوهاته ونتائجه - نبيل فهمي - بوابة الشروق
الثلاثاء 3 فبراير 2026 6:37 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

احتمالات ضرب إيران وسيناريوهاته ونتائجه

نشر فى : الإثنين 2 فبراير 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الإثنين 2 فبراير 2026 - 7:20 م

فى أثناء كتابة هذه السطور تتصاعد احتمالات الضربة الأمريكية على إيران، وقد يحسم القرار وسيناريوهاته العسكرية من عدمه قبل النشر، ولكن ستظل النتائج غير محسومة سريعا، مع تعدد الأهداف والسيناريوهات والنتائج المحتملة وتداعياتها.. وضع يستوجب التأمل والتقييم لأهميته وخطورته.

 


أول وأهم الاعتبارات فى القراءة والاستعداد لما هو قادم هو تحديد الهدف من التصعيد، والحراك العسكرى الذى نفذ حتى الآن وما يتبعه، إذ تشير مصادر أمريكية إلى أن الهدف هو قيام إيران بالاستجابة لصفقة نووية جديدة، بما يعنى فى الأساس وقف التخصيب وتطبيق ضمانات التفتيش على المرافق النووية، ولا يستبعد أن يضاف إلى ذلك أيضا الحد من ومنع تطوير قدراتها الباليستية، فى حين يلاحظ أن آخرين بمن فيهم المستشار الألمانى يتحدثون عن قرب نهاية النظام الإيرانى، وأن الاتحاد الأوروبى صعد ضد الحرس الثورى الإيرانى وأعلنه منظمة إرهابية، مما جعل المتطلبات تتجاوز العنصر العسكرى وتشمل الاستقرار والتوجه السياسى للنظام.
توجهات تشكلت من قبل عدة مراكز قوة إيرانية لها مواقف داخلية وخارجية مختلفة، كما أن هناك تطلعات إسرائيلية تشمل كل هذه المطالب العسكرية والسياسية فضلا عن إنهاء الانتشار الإيرانى الشرق أوسطى، واقترب الرئيس ترامب من مطالب التغيير السياسى والإقليمى أخيرا دون أن يتبناها كلية عندما نوه بأن اختيار المالكى رئيسا لوزراء العراق سيعكس تنامى مرفوض فى النفوذ الإيرانى الإقليمى.
تساؤلات وأهداف عديدة لكل منها سيناريوهات واحتمالات ونتائج متشعبة وردود فعل مختلفة محتملة من إيران وعلى ساحتها، ولن يحسم أى منها على المدى القصير لتشعب وتنوع الساحة الإيرانية، وصعوبة الوصول إلى تقدير دقيق لتداعيات أى تغيير على مؤسسات ومصالح إيرانية مجتمعية متنوعة.
أسهل الخطوات عملياتيا هى سعى الولايات المتحدة لإضعاف النظام دون تغييره بعمليات عسكرية محدودة، وتستهدف ما تبقى من البرنامج النووى ومراكز تخزين وإطلاق الصواريخ، وهو الحد الأدنى فى الطموحات الأمريكية المعلنة، إنما قد تستهدف العمليات أيضا معسكرات الحرس الثورى الإيرانى باعتبارها العمود الفقرى للنظام الإيرانى، على أمل خلق زخم سياسى نحو الديمقراطية وإنهاء النظام القائم، أو على الأقل إضعاف النظام الإيرانى وجعله يعدل سياساته وطموحاته، وهو أمر يتطلب تغير أيدولوجية النظام وعلى وجه الخصوص الحرس الثورى.
ومن الاحتمالات الأخرى للعمليات العسكرية المحدودة والهادفة لمواقع محددة وفقا للأهداف الأمريكية انهيار النظام الإيرانى الدينى، واستبداله بحكومة عسكرية قوية من الحرس الثورى الإيرانى، حفاظا على استقرار إيران، وإنما لن تطمئن الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى هذه النتيجة سريعا نظرا لتشدد الحرس الوطنى وارتباطه بالنظام الإيرانى الحالى، كما قد لا يرتاح له عدد من دول المنطقة.
لا يختلف أحد على أن القدرات الإيرانية العسكرية لا تواكب القدرات الأمريكية أو الإسرائيلية، مهما كانت قد استعادت من قدراتها عقب استهداف برنامجها النووي، ولا تحظى التهديدات الإيرانية بأنها على جميع الاستعداد لرد فعل عسكرى عنيف بمصداقية أو تشكل تهديدا حقيقيا، إنما هناك قلق حقيقى من حجم الخسائر المحتملة إذا استهدفت إيران بكفاءة معسكرات وقواعد أو سفن أمريكية بالخليج، هذا وقد تستهدف إيران المصالح الأمريكية والخليجية عامة بدلا من الأهداف العسكرية، من خلال وضع الألغام فى مضيق هرمز الذى يمر من خلاله ما يقرب من ربع صادرات الغاز الطبيعى ومنتجاته، أو استهداف بعض المرافق الاقتصادية.
وفضلا عن تداعيات العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران هناك قلق بالغ لدى عدد من الدول الخليجية والإقليمية من انهيار النظام الإيرانى، ودخول إيران فى حرب أهلية على غرار دول أخرى بالمنطقة، خشية تفاقمها بنزاعات طائفية وعرقية متعددة بين الأكراد والبلوشيين وأقليات أخرى تأمينا لمصالحهم فى الفضاء السياسى، وتمتد عبر الحدود المجاورة.
هذا ويتابع المجتمع الدولى عامة الأحداث باهتمام وقلق، ومن زوايا مختلفة، فعدم استقرار إيران يثير تساؤلات حول استقرار مصادر الطاقة وأسعارها، وهو اهتمام كبير من الصين، التى وقعت اتفاقات طويلة الأجل مع إيران فى الآونة الأخيرة، كما تتابع روسيا الأحداث عن قرب أيضا باعتبار إيران داعم لموقفها من أوكرانيا، وأتوقع أن تندد الصين وروسيا بأية عمليات عسكرية، مع تجنب أى اشتباك عسكرى مع الولايات المتحدة أو إسرائيل فى الساحة الإيرانية.
كما أن هناك متابعة وقلق واسع على المستويين الإقليمى والدولى من تنامى استخدام القوة فى العلاقات الدولية بشكل انفرادى وخارج إطار الأمم المتحدة، فإقليميا فى الشرق الأوسط وعالميا، يفتح ذلك الباب أمام هيمنة أطراف على آخرين وعسكرة العلاقات بين الدول، مما يدفع الأغلبية نحو زيادة عنصر العسكرة المحتملة فى حساباتهم، ويدفع بسباق تسلح مكلف ومدمر على حساب توجيه الموارد نحو التنمية، وممارسة الضغوط بدلا من التحاور عامة وحتى بين الحلفاء، وأحدث الأمثلة فرض الولايات المتحدة جمارك إضافية على صادرات أى دولة تخالفها فى الرأى، والخلافات التى نشبت بينها وبين حلفائها أعضاء حلف الشمال الأطلنطى حول جرين لاند.
مع كتابة هذه السطور من الصعب الجزم بأن العمليات العسكرية حتمية، أو أن تكلفتها الباهظة تجعلها مستبعدة، نظرا للأسلوب التفاوضى الصدامى للرئيس الأمريكى وميله للمبالغة والمفاجئات، ولارتفاع تكلفة المطالب الأمريكية والإسرائيلية على النظام الإيرانى، وإنما أعتقد أن التصعيد العسكرى الأمريكى وصل إلى مستوى يجعل من الصعب على ترامب التراجع دون تحقيق إنجاز حقيقى.
فى نفس الوقت كلما امتد الوقت ارتفعت المطالب من إيران، وجعلتها قضايا وخيارات وجودية للنظام الإيرانى يصعب التجاوب معها، مما جعل النظام يضع خططًا مختلفة للحفاظ على النظام حتى إذا استهدفت قياداته، مما يزيد من احتمالات المواجهة لاعتبارات جيوسياسية أو لمجرد الحفاظ على ماء الوجه الأمريكى أو الإيرانى، علما بأن هناك خيارا آخر احتمالات تحقيقه غير مرتفعة وهو انسحاب رموز النظام الإيرانى من الساحة واستبدال قياداتها ببعض الشخصيات صاحبة المصداقية والمحتجزين فى السجون الإيرانية.
أيا كان القرار بالضرب أو التراجع ستكون هناك تداعيات حقيقية على أطراف المعادلة وعلى النظام الدولى وقواعده وآلياته، وربنا يستر على الشرق الأوسط.

 

 

نقلا عن إندبندنت عربية

نبيل فهمي وزير خارجية مصر السابق، والعميد المؤسس لكلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات