تأكيد مجلس الوزراء على أن طائرة مسيرة وراء الحادث الذى أدى إلى نشوب حريق فى سفينتى للغاز بميناء دمياط، يوم الأربعاء الماضى، يمثل تحولا جذريا لحالة عدم الاستقرار الموجودة فى المنطقة، وامتداد رقعة الصراع للمرة الأولى إلى الدول العربية الواقعة فى إفريقيا، بعد أن كانت شظاياها محصورة جغرافيا فى نطاق الدول العربية الآسيوية.
فنظرة خاطفة على الخريطة توضح أن لا أحد من عرب آسيا قد نجا من ارتدادات وانعكاسات وتداعيات هذا الصراع الإقليمى الهائل، الذى بدأ منذ أكثر من ثلاثة أعوام، عندما استباح رئيس الوزراء الصهيونى بنيامين نتنياهو قطاع غزة قتلا وتشريدا وتدميرا وتهجيرا وتجويعا، ثم جاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ليزيد من الطين بلة ويرفع من منسوب التصعيد والتوتر والصراع فى المنطقة بالعدوان الواسع وغير المبرر على إيران، التى ردت على ذلك باستهداف غير مقبول للبنى التحتية والاقتصادية فى دول الخليج.
بالتأكيد.. شظايا الانفجار الإقليمى التى أصابت دول الخليج وغيرها من عرب آسيا كانت إيرانية، لكن المتسبب الأول فى هذا الانفجار كان ترامب ونتنياهو برغبتهما الجامحة وغير المنضبطة فى تدمير الاستقرار والأمن الإقليميين، وخلق حالة من الفوضى والعنف وعدم الاستقرار فى المنطقة، وتكبيدها خسائر اقتصادية هائلة جراء عدم القدرة على تصدير النفط الذى يمثل أهم مورد اقتصادى لها.
بانتقال شظايا الانفجار الإقليمى إلى عرب إفريقيا، وبالتحديد إلى ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط، تتحقق المخاوف التى طالما حذرت منها مصر خلال الفترة الماضية، حيث كان الخطاب الرسمى المصرى شديد الوضوح فى التعبير عن القلق البالغ إزاء التصعيد العسكرى الذى تشهده المنطقة، واستمرار الحرب فى إيران وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة من بينها ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر سلاسل الإمداد وحركة النقل الجوى والبحرى، سواء بالنسبة لمصر أو على المستويين الإقليمى والدولى، مثلما ورد على لسان الرئيس السيسى فى مناسبات عدة.
ليس هذا فحسب، بل إن الخطاب الرسمى المصرى أدان بشكل قاطع استهداف إيران لدول عربية شقيقة، داعيا إلى ضرورة خفض التصعيد وإفساح المجال للحل السلمى والسياسى للأزمات بعيدا عن لغة القوة ومفرداتها وأدواتها، محذرا فى الوقت ذاته من مخاطر اتساع رقعة الصراع بما قد يزج بالمنطقة بأسرها فى حالة من الفوضى.
الآن وبعد ما حدث فى ميناء دمياط، يتضح أن الهواجس المصرية كانت فى محلها تماما، وبالتالى فإننا أصبحنا أمام واقع جديد يفرض على مصر تحديات غير مسبوقة، تتطلب اليقظة والانتباه والاستعداد القوى لأى تطورات محتملة فى المستقبل من أجل الحفاظ على سلامة أرضها وأمنها القومى ومصالحها الاستراتيجية، والتصدى بقوة لهذا الجنون الذى يعصف بالمنطقة، ولا يعرف أحد على وجه الدقة إلى أى مدى قد يصل إليه؟
فى البيان القصير الذى أصدره مجلس الوزراء، الخميس الماضى، والذى أعلن فيه أن السبب فى حادث ميناء دمياط كان طائرة مسيرة، وردت فقرة مهمة ينبغى التوقف أمامها، وهى أن «الجهات المعنية تواصل استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومى».
هذه الفقرة تشير بوضوح إلى أن الدولة المصرية لن تسمح أبدا بمرور هذا الحادث مرور الكرام، بل ستكون هناك إجراءات قوية وفعالة للحفاظ على أمنها القومى ومصالحها الاقتصادية وكذلك حماية شعبها من أية محاولة للعبث باستقراره، لكن هذا الأمر لن يتم باستعجال، وإنما بعد استكمال التحقيقات الدقيقة الواسعة التى تجريها لتحديد ظروف وملابسات الحادث والمتورطين فيه ومحاسبتهم.
نعلم جيدا أن مصر لم تنجر خلال سنوات الانفجار الإقليمى الأخيرة أي محاولة تستهدف زجها إلى التورط فى آتون هذا الصراع، بل كانت سياستها واضحة للغاية وتتمثل فى ضرورة الابتعاد عن التصعيد أو استخدام القوة، والعمل الجاد على إيجاد حلول سلمية للأزمات عن طريق الحوار والمفاوضات، حتى لا تتسع رقعة الصراع والفوضى وحالة عدم الاستقرار فى المنطقة، بما يؤثر على مقدرات الشعوب ويضعف من قوة وصلابة المؤسسات الوطنية للدول.
أغلب الظن أن هذه السياسة المتزنة والعقلانية لن تتغير كثيرا بعد انفجار دمياط، لكن سيكون لازما على مصر إرسال رسائل واضحة وقوية وحادة، لمنع أى مغامر يحاول بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء وعملاء العبث بأمنها القومى أو تهديد مصالحها الحيوية فى منطقة شديدة التقلبات والعواصف.