نادرا ما تعترف الحكومات بعدم القدرة على معالجة الظروف الاقتصادية الصعبة التى تواجه مواطنيها، بل إن بعضها يتجاهل ذلك ويدير ظهره فى بعض الأوقات لحالة الأنين والشكوى العامة جراء قسوة تلك الظروف وصعوبة توفير نفقات الحياة اليومية، وهنا مكمن الخطر الحقيقى على المستقبل.
فى مصر.. نستطيع أن نلمس بوضوح تام ارتفاع منسوب هذا الأنين وتلك الشكوى، بعدما تخطت حالة التعبير عنهما مرحلة الهمس إلى البوح بصوت عالٍ، وهو ما نراه جليا فى أحاديث المواطنين بالشارع والمقاهى والمواصلات العامة وعلى وسائل التواصل الاجتماعى، بسبب عدم القدرة على مواجهة الارتفاعات الهائلة فى أسعار السلع والخدمات الأساسية، والشعور بالعجز والعوز وضيق ذات اليد وعدم القدرة على مواجهة متطلبات الحياة التى تزداد صعوبة يوما بعد يوم.
أمام أوضاع اقتصادية قاسية كالتى تمر بها البلاد فى الوقت الراهن، يفترض أن تكون تصريحات المسئولين أكثر حنكة ومراعاة وتواضعا وتعاطفا مع ظروف المواطنين الصعبة، لا أن تسهم بشكل غير مقصود فى استفزازهم وزيادة غضبهم وعدم تقبلهم وتفهمهم للضغوط الهائلة التى يتعرضون لها، بل وتقلل من قدرتهم على تحملها حتى يدركوا باب الخروج منها.
هناك تصريحان لافتان فى الأسبوع الماضى عبرا عن هذه الحالة.. حالة أن المؤشرات كافة تدل على تحسن الوضع الاقتصادى فى البلاد بقوة وثبات وتحقيقه تقدما فى جميع المجالات، وبالتالى تصبح شكاوى المواطنين وشعورهم بالمعاناة فى غير محلها تماما، أو على الأقل ليست مبررة أو منطقية.
التصريح الأول جاء على لسان مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، حيث قال خلال زيارته لمحافظة الغربية: «أدعو المواطنين إلى النظر لحجم التنمية التى تحققت خلال السنوات الـ12 الماضية، ومقارنة الوضع الذى كانت عليه مصر بالوضع الذى أصبحت عليه اليوم».
دعوة مدبولى للمواطنين بمقارنة وضع مصر حاليا بما كانت عليه قبل ١٢ عاما، لن تكون فى صالح حكومته على الإطلاق.. فنظرة سريعة على عناوين المرحلة تؤشر إلى حدوث ارتفاعات هائلة وجنونية فى أسعار السلع والخدمات الأساسية وتراجع حاد فى القدرة الشرائية للمواطنين، وعدم قدرة الكثيرين منهم على تلبية احتياجاتهم اليومية، وديون خارجية متراكمة على الدولة، منها 62.8 مليار دولار قروض خارجية ينبغى سدادها خلال 12 شهرًا تبدأ من أبريل 2026 وحتى مارس 2027، وفق بيانات البنك الدولى، التى نشرت الأسبوع الماضى.
أما التصريح الثانى فكان لوزير المالية السابق محمد معيط، والذى يشغل حاليا منصب المدير التنفيذى لصندوق النقد الدولى وممثل المجموعة العربية، حيث تحدث خلال تصريحات تليفزيونية عن أسباب عدم شعور المواطن بنتائج ملموسة على وضعه المعيشى بعد نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادى، مشبها هذا الوضع بحالة «مريض كان وضعه صعبًا جدًا، وبدأ برنامجًا علاجيًا، وتتم المتابعة من خلال إجراء تحليل مستمر.. والتحاليل تقول إن الوضع يتحسن، لكن المريض نفسه قد يكون لا يشعر بذلك».
ربما تكون تصريحات مدبولى ومعيط تجميلا للواقع، أو حتى بثا للأمل فى نفوس المواطنين، لكنها فى المجمل لن تساهم فى إيجاد حلول حاسمة وموضوعية لتعقيدات المشهد الاقتصادى المتخم بالمشكلات والمعضلات الهيكلية، ومن ثمّ فإن الجميع فى هذا الوطن ينتظر رسالة واضحة من الحكومة بالتقشف الحقيقى وترشيد الإنفاق جديا وتعديل المسار والحد من الإنفاق على المشروعات التى لا تدر عائدا على المدى القصير، وتوجيه كل الطاقات لزيادة الصادرات وتعظيم مشاركة القطاع الخاص فى الاقتصاد وعدم منافسته أو التضييق عليه، والتوقف عن الشهية المفتوحة للاقتراض من الخارج ومعالجة أزمة الديون الحالية بزيادة الإنتاج وجلب الاستثمارات الأجنبية وليس بطلب قروض جديدة، أو بيع أصول من أراضٍ وشركات رابحة.
التعامل الجاد مع تحديات الواقع وعدم الهروب منها، وبذل أقصى الجهد لتخفيف وطأة الأعباء المعيشية التى يعانى منها الجميع، وتشديد الرقابة على الأسواق ومحاربة الاحتكار وجشع بعض التجار، تعد خطوات حقيقية وضرورية لتقليل منسوب الغضب لدى المواطنين، الذين دهسهم قطار الإصلاح، وينتظرون بفارغ الصبر رؤية ضوء فى نهاية النفق.