لم يكن الأمن القومى يومًا مفهومًا ثابتًا؛ فتوسع من حماية الإقليم وبقاء النظام السياسى إلى إدارة الصمود الاقتصادى، والتكنولوجيا، والمعلومات، والمجتمع، وحتى سلاسل الإمداد. وفى العصر متعدد الأقطاب الحالى، أصبح الأمن الإقليمى والأمن العالمى مترابطين بعمق، كما أن تزايد الاعتماد على القوة يرجح أن يجعل النظام الدولى أكثر تشظيًا، وأكثر تنافسية، وأقل قابلية للإدارة.
فكرة الأمن القومى
فى جوهره، يمثل الأمن القومى سعى الدولة إلى الحفاظ على سلطتها السياسية، وسلامة أراضيها، والظروف اللازمة لبقائها. وفى الأزمنة السابقة، كان ذلك يعنى أساسًا الدفاع العسكرى ضد الغزو، وأحيانًا حماية النفوذ الإمبراطورى أو الاستعمارى. ومع مرور الوقت، اتسع المفهوم حين أدركت الدول أن الحرب ليست الطريق الوحيد للتهديد؛ إذ يمكن للصدمات الاقتصادية، وعدم الاستقرار الداخلى، والتنافس الأيديولوجى، والاختراقات السيبرانية، والاعتماد على الطاقة أن تهدد بقاء الدولة أيضًا.
وتكتسب هذه الدلالة الأوسع أهمية كبيرة لأنها تغيّر ما تعتبره الحكومات سياسة أمنية. فلم يعد بإمكان وزارة الدفاع وحدها أن تتحمل العبء كله، فأمن الدولة اليوم يتقاطع مع المالية، والتجارة، والصحة العامة، والبنية التحتية، وحوكمة البيانات، والسياسة الصناعية.
تطور المفهوم
تطور مفهوم الأمن القومى الحديث عبر مراحل متعددة. وكانت إحدى نقاط التحول الكبرى هى «النظام الوستفالى» للدول، الذى ركز على السيادة والحدود الإقليمية؛ ثم جاءت حقبة الحروب العالمية، حين جعل التنافس بين القوى الكبرى الأمن مشروعًا شاملًا للدولة. وبعد ذلك، رسخّت الحرب الباردة الأمن القومى بوصفه منطقًا استراتيجيًا يقوم على الردع، وإدارة التحالفات، والتوازن النووى، والمنافسة الاستخباراتية.
وكان هجوم بيرل هاربر نقطة تحول حاسمة فى الولايات المتحدة، لأنه نقل الأمن من مسألة خارجية محدودة إلى تعبئة وطنية دائمة. وبعد الحرب العالمية الثانية، ساهم ذلك الهجوم وبداية الحرب الباردة فى جعل الاستعداد فى زمن السلم جزءًا دائمًا من التفكير الاستراتيجى. وجاء التحول التالى بعد هجمات 11 سبتمبر، حين أظهر الإرهاب أن الفاعلين من غير الدول قادرون على إحداث ضرر استراتيجى، فوسعت الحكومات مفهوم الأمن القومى ليشمل الأمن الداخلى، ومكافحة الإرهاب، والتمويل، وضبط الحدود.
ومنذ ذلك الحين، دفعت العولمة والتكنولوجيا بالمفهوم إلى مدى أبعد. فالتداخل الاقتصادى جعل العقوبات، وأسواق الطاقة، وسلاسل إمداد أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة أدوات أمنية بقدر ما هى أدوات اقتصادية، كما أن الهجمات السيبرانية، والمعلومات المضللة، وأنظمة الفضاء، والذكاء الاصطناعى، كلها أزالت الحدود الفاصلة بين المدنى والعسكرى.
نقاط التحول ودوافعه
جاء كل توسع فى مفهوم الأمن القومى بعد صدمة كشفت حدود النموذج السابق، فقد أظهرت الحروب العالمية أن القوة الصناعية، واللوجستيات، والتعبئة الشاملة، كلها عناصر لا تنفصل عن الدفاع. وأظهرت الحرب الباردة أن الأمن أصبح عالميًا وأيديولوجيًا ونوويًا. وأظهرت أحداث 11 سبتمبر أن التهديدات غير المتماثلة يمكن أن تتجاوز الحدود التقليدية. ثم أظهرت الأزمة المالية، والصراع السيبرانى، واضطرابات سلاسل الإمداد الكبرى أن الانكشاف الاقتصادى والتكنولوجى يمكن أن يتحول إلى ضعف استراتيجى.
ويظهر هنا نمط واضح: فالدول غالبًا ما توسع تعريف الأمن فقط بعد وقوع حدث يثبت أن التعريف السابق كان ضيقًا أكثر من اللازم. ولهذا يميل تطور العقيدة الأمنية إلى أن يكون تفاعليًا لا تدريجيًا. وهو أيضًا السبب فى أن المفهوم يستمر فى الاتساع، من حماية الدولة إلى حماية الأنظمة التى تعتمد عليها الدولة.
الأمن الإقليمى والعالمى
فى عالم متعدد الأقطاب، لا يمكن الفصل بسهولة بين الأمن الإقليمى والأمن العالمى. فالحروب الإقليمية تؤثر فى أسعار الطاقة، ومسارات التجارة، والهجرة، وسباقات التسلح، وسلوك التحالفات، بما يتجاوز بكثير ساحة الصراع المباشرة. وفى المقابل، تؤدى المنافسات العالمية إلى تأجيج الصراعات الإقليمية عبر تزويد الأطراف بالسلاح، والدعم الدبلوماسى، والتمويل، والسرديات المتنافسة.
وتوضح الحرب فى أوكرانيا هذا الترابط بجلاء: فصراع إقليمى واحد أعاد تشكيل السياسات الدفاعية الأوروبية، وعزز تماسك حلف شمال الأطلسى، وأربك أسواق الطاقة، وتسبب فى صدمات غذائية وأسمدة امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من أوروبا. وبالمثل، أثّر عدم الاستقرار فى البحر الأحمر فى طرق الشحن، وتكاليف التأمين، والتجارة العالمية، ما يثبت أن أزمة فى ممر واحد يمكن أن تتحول فورًا إلى قضية اقتصادية وأمنية عالمية. وفى الشرق الأوسط أخيرا ارتباطا بالأزمة الإيرانية ومضيق باب المندب أظهرت موجات التصعيد المتكررة كيف يمكن للعنف المحلى أن يجذب القوى الخارجية، ويزيد احتمالات المواجهة الأوسع، ويفتح الباب أمام تنافس استراتيجى بين الدول الكبرى.
ولهذا فإن القول إن الأمن الإقليمى هو أمن عالمى ليس مجرد شعار. فترتيبات الحد من التسلح، وبناء الثقة، وآليات إدارة الأزمات فى أى منطقة تسهم فى الاستقرار الأوسع، بينما يؤدى انهيارها إلى رفع خطر التصعيد بين القوى الكبرى. وعمليًا، أصبح المستويان الإقليمى والعالمى يعملان كأنهما تروس متصلة؛ فالضغط فى مكان واحد ينتقل أثره إلى أماكن أخرى بسرعة.
استخدام القوة والنظام العالمى
المشهد الراهن مقلق لأن عددًا أكبر من الدول بات يعتمد على القوة، والإكراه، وأدوات المنطقة الرمادية، فى وقت تتراجع فيه أطر الحد من التسلح. والنتيجة ليست فقط مزيدًا من الصراعات، بل أيضًا مزيدًا من الغموض حول الخطوط الحمراء، وسلالم التصعيد، وسلوك الأزمات. وعندما تصبح القوة العسكرية أسهل فى الاستخدام وأصعب فى الضبط، يصبح الردع أقل استقرارًا، ويزداد احتمال الخطأ فى الحسابات.
أما بالنسبة إلى النظام العالمى المستقبلى، فإن أكبر النتائج المرجحة هى الابتعاد عن قابلية التنبؤ القائمة على القواعد، والانتقال إلى نظام أكثر معاملاتية وأكثر تنازعًا. وقد تتجنب القوى الكبرى الحرب المباشرة، لكنها ستتنافس عبر وكلاء إقليميين، وعمليات سيبرانية، وإكراه اقتصادى، وتحالفات انتقائية. وهذا قد ينتج عالمًا متعدد الأقطاب فى موازين القوة، لكنه متشظٍ فى القواعد والمعايير، مع مؤسسات عالمية أضعف وتكتلات أمنية أكثر تفككًا.
ما الذى ينتظرنا
من المرجح أن يتشكل النظام القادم أقل عبر قوة مهيمنة واحدة، وأكثر عبر مساومات غير مستقرة بين القوى الكبرى، والقوى المتوسطة، والفاعلين الإقليميين. وستواصل الدول مزج الصمود الداخلى بالردع الخارجى، ما يعنى أن الأمن القومى سيبدو أكثر فأكثر كاستراتيجية حكومية شاملة. والخطر هنا أن تتحول كل قضية إلى قضية أمنية، فيتراجع دور الدبلوماسية، ويصبح التوصل إلى تسويات سياسية أكثر صعوبة.
لكن هذا لا يعنى أن المستقبل محكوم بالفوضى. بل يعنى أن الاستقرار سيتطلب إعادة بناء الحد من التسلح، وإحياء قنوات الاتصال أثناء الأزمات، والتعامل مع النزاعات الإقليمية باعتبارها مضاعفات للمخاطر العالمية. ففى عصر متعدد الأقطاب ومتشابك بفعل العولمة، لم يعد الأمن محليًا، ولم تعد القوة منفصلة؛ فقد أصبحت الحدود القديمة أرق من أن تعزل بينهما.
نقلا عن إندبندنت عربية