أسباب غريبة للسعادة فى فيينا! - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 12 يونيو 2026 8:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


أسباب غريبة للسعادة فى فيينا!

نشر فى : الجمعة 12 يونيو 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 12 يونيو 2026 - 6:45 م

 منذ عدة سنوات كنت أقضى إجازة بمدينة فيينا عندما مرض ولدى الصغير ووجدت نفسى فى حيرة، فبالرغم من الإمكانات الطبية الكبيرة فى النمسا إلا أن المصرى عادة ما يشعر بالضياع إذا مرض فى الخارج، ذلك أننا تعودنا أن كل الأدوية متاحة فى الصيدليات ويمكن الحصول على المضادات الحيوية وأى أدوية أخرى بمكالمة تليفون. المهم أننى ذهبت إلى مستشفى «سانت آن» للأطفال. بعد أن قام الطبيب بالكشف أوصانا بالذهاب إلى مستشفى فيينا المركزى وكتب توصية لطبيب يعرفه. فى المستشفى الجديد أخضعوا الولد لفحوصات دقيقة وقضينا اليوم بأكمله بين الأشعات والتحاليل، وفى النهاية شخّصوا الموضوع بأنه إصابة فيروسية، ثم وصفوا الدواء فاشتريته من الصيدلية وتم الشفاء بإذن الله فى خلال بضعة أيام. فى المستشفى الأول سألتهم عن التكاليف فطلبوا منى ألا أتعجل لأنهم سيرسلون لى الفاتورة على الإيميل لاحقًا وهذا هو النظام عندهم، فمن لديه تأمين يعالجونه بالمجان ومن كان مثل حالتى يدفع لكن بعد إرسال الفاتورة بالبريد. فى المستشفى الثانى تكرر الأمر نفسه ولم تفلح محاولتى للدفع الفورى سواء بالكارت أو كاش. كنت أريد أن أدفع فى الحال وينتهى الموضوع لكنهم أفادوا بأن إجراءات إصدار الفاتورة تأخذ بعض الوقت. طبعا فكرة الاستعباط والتهرب من الدفع واردة وممكنة، لكن لأننى لست ممن يستعبطون، وكذلك لمعرفتى بأن نقطة سوداء كهذه قد تعوق الحصول على فيزا تشنجن فى المستقبل فإننى كنت أتعجل الدفع.

بعد شهر استلمت على البريد الإلكترونى فاتورتين، الأولى بمبلغ 38 يورو والثانية بمبلغ 60 يورو.. يا بلاش، إن هذا أرخص من العلاج فى القاهرة عند أى مستشفى متوسط!. لا أنكر شعورى بالدهشة، ذلك أن المستشفى الثانى بالتحديد قد أخضع الولد لتحاليل عديدة ولأكثر من أشعة، فكم ثمن كل واحدة؟ وكم أجرة عديد الأطباء والممرضات الذين قضى بين أيديهم أكثر من خمس ساعات بين كشف وتحليل ومتابعة؟ راسلت المستشفيين وعرضت تقديم كارت الفيزا ليسحبوا منه فأفادوا بعدم إمكانية ذلك، والمطلوب هو التحويل البنكى! لم أفهم لماذا يعقّدون الأمر بهذا الشكل، أو لعلهم بطريقتهم هذه قصدوا أن يبسّطوا الإجراء لأن مثل هذه التحويلات فى بلاد برة تتم من خلال التليفون ولا تستغرق سوى دقائق. المهم أننى ذهبت إلى البنك وطلبت تحويل المبلغ البسيط المطلوب لولاد الحلال فى فيينا فأحالونى إلى إدارة مختصة بمثل هذه الأمور تقع تحت بير السلم بجوار المخازن. هناك نظروا لى بريبة لا أدرى أسبابها وبعد أن أحالنى أحد الموظفين إلى زميلٍ فزميل تعطفوا على وقدّموا لى نموذجًا أملأه لأوضح به علاقتى بالجهة التى أحول لها الأموال ومنذ متى بدأت هذه العلاقة وهل سبق أن تلقيت منهم أو أرسلت إليهم أموالاً من قبل! ولأن حنجرتى كانت تؤلمنى فلم أشأ أن أستخدمها فى الرد الإسكندرانى عليهم واكتفيت بتقديم الفاتورتين بعد أن حكيت لهم الحكاية وشرحت لهم الموقف. قالوا لى إن حسابى بالدولار فارغ منذ سنوات وأن علىّ أن أشترى دولارات بمعرفتى ثم أودعها فى الحساب فيسحبون منها قيمة الفاتورتين. فعلا الحساب فارغ منذ أن انتهى عملى بالخارج الذى كنت أحصل منه على دولارات خضراء. أخذت السيارة بحثًا عن محل صرافة وعندما وجدت واحدا طلبوا منى هناك أن أقدم لهم أسبابًا وجيهة لطلب العملة الأجنبية وأفادوا بأنهم يقدمون الدولار فى حدود ضيقة للسادة المقبلين على السفر وبحوزتهم التذكرة والتأشيرة. بح صوتى وأنا أشرح الموضوع وفى النهاية دخلت للمدير الذى أبدى تفهمًا وسمح لى بشراء 200 دولار اعتقدت أنها تغطى المطلوب وزيادة. بعد أن استلموا الدولارات منى فى البنك أخذوا يضربون على الكمبيوتر ثم أفادونى أن الـ200 دولار اتشفطوا ولم يعد لهم وجود وتم اعتبارهم مصاريف إدارية نظير استمرار الحساب!. رفعت رأسى إلى السماء أستجير من الغباوة والاستعباط، ومع ذلك فقد كظمت غيظى وعدت مرة أخرى إلى الصرافة. كنت أعلم أنهم لن يستجيبوا ولو وقفت على رأسى، ولهذا فقد وقفت على الرصيف ثم مسكت بزبون كان يهّم بالدخول لتغيير دولارات واشتريت منه مائتى دولار. عدت إلى البنك وسلمتهم المبلغ فبرزت لى موظفة جلست مكان زميلها الذى خاف من مواجهتى واختفى. أوضحت لى أنهم سيتقاضون منّى خمسين دولارا عن كل حوالة، بمعنى أن البنك سيأخذ مائة دولار مقابل تحويل 98 يورو! وبالتالى لن يتبقى بالحساب ما يكفى للمستشفيين. ظللت أضحك فى وجوههم حتى ظنوا بى مسًا من الجنون ثم توقفت عن الضحك وانطلقت للمرة الثالثة إلى محل الصرافة واشتريت هذه المرة من أحد الزباين على الرصيف خمسمائة دولار لضمان تغطية أى مشكلات تظهر من جديد!. الحمد لله انتهى الموضوع وتم التحويل، وانتابنى شعور أن موظفى البنك غاضبون لأنه لم يعد فى جعبتهم حيل جديدة ينكدون بها على شخصى الضعيف!فى الصيف الماضى اصطحبت الأسرة لزيارة مدينة فيينا من جديد، ويشاء القدر أن يتكرر الأمر وأصاب أنا هذه المرة بتسمم أسفر عن قىء مستمر وإسهال. ذهبت تلقائيا للمستشفى وحصلت على العلاج. لم يكن المرض فقط ما يزعجنى، لكن الفاتورة التى ستجعلنى ألفّ حوالين نفسى فى مصر. لهذا أصررت هذه المرة ألا أتحرك إلا بعد دفع الفاتورة. رفضوا متعللين بأن الموضوع يأخذ وقتًا فى الحسابات. صرخت وعلا صوتى رافضًا أن أتحرك قبل أن يأخذوا فلوسهم. أبدوا دهشتهم من تشبثى بالدفع الفورى وحسبونى مجنونًا، ومع ذلك فإن جنونى جعلهم يتصلون تليفونيًا بمسئول الحسابات فى المبنى المجاور راجين منه أن يكسر النظام ويأخذ قيمة الفاتورة فى الحال، وبالفعل ذهبت إليه ودفعت مبلغ 41 يورو ثم أخذت إيصالا بالدفع وجريت فى الشارع أتنطط -رغم المرض- من الفرحة والسعادة!

 

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات