محمد القصبجى.. الموسيقار الفقير - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 19 يونيو 2026 8:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

محمد القصبجى.. الموسيقار الفقير

نشر فى : الجمعة 19 يونيو 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الجمعة 19 يونيو 2026 - 7:05 م

لم يستطع محمد القصبجى أن يستمر لأنه قفز لأعلى قفزات واسعة وبلغ ذرى رأى منها ما لم يره موسيقار قبله، وبهذا فقد صعب عليه أن يقدم أشياء عادية بعد ذلك. والأمر يشبه لاعب الكرة الحريف الذى أحرز هدفًا من ضربة مزدوجة خلفية سكنت المقص وأشعلت المدرجات.. مثل هذا الهدف لا يسهل على اللاعب إحرازه مرة أخرى، لأن ظروف منطقة الجزاء لن تتكرر بتكوينها السابق، كما أن زاوية استقباله للكرة وحركة جسمه التى أفضت إلى الهدف الرائع ليس من السهل استحضارها من جديد. وعلى ذلك فإن رغبته مع ضغط الجمهور بوجوب إحراز أهداف من نفس الفئة لن يسهّل عليه حياته، ولو أنه كان من اللاعبين التقليديين الذين يحرزون أهدافًا بشكل آلى ودون ضجيج لأمكنه أن يستمر، لكن القصبجى الذى قدم إن كنت أسامح وأنسى الأسية ومادام تحب بتنكر ليه ويا طيور ورق الحبيب، وأنا قلبى دليلى لم يقبل ولم يقبلوا منه أغانى حلوة عادية مثل التى يقدمها باقى الملحنين.


جانب كبير أيضًا من مأساة هذا الرجل فى ظنى تكمن فى أنه وثق فى أم كلثوم ثقة عمياء وتصور أنها كتلميذة له سوف تلتزم بكونها الصوت الذى يحمل تجاربه وشطحاته إلى العالم. لم يدر الرجل الطيب أن الست عندما فُجعت فى فيلم عايدة الذى تولى تلحين أغانيه ثم لاقى السقوط الجماهيرى.. لم يدر أنها لم تعد الفتاة الصغيرة التى التقاها عام 22، وكانت تغنى مدائح نبوية مرتدية عقالًا بدويًا، وإنما أصبحت سيدة مجتمع ينحنى لها الباشوات، وأنها بحكم النشأة التقليدية لم تكن الشخص المناسب ليمضى معه إلى نهاية مشوار التجديد. لقد كان يمكن لأم كلثوم أن تسايره فى جنونه لو أنه استمر يحقق لها النجاح، أما وأنّ تجاربه لم تعد مضمونة فلم يكن من الحكمة أن تظل على متن سفينته.


شىء آخر لم ينتبه إليه الذين حاروا فى تفسير سبب انطفاء شعلته وخمودها طيلة العشرين عامًا الأخيرة من حياته هو أن الرجل كان فقيرًا، والفقر كما نعلم يضيق الخيارات فى الحياة ويُفقد الرجل الثقة بنفسه، ويمكننا فى هذا الصدد أن نستشهد برسالة كتبها القصبجى إلى أم كلثوم عام 1953 وهى تتلقى العلاج فى مستشفى البحرية الأمريكية فى ميريلاند. كتب لها: عزيزتى.. أرجو أن تطمئنينى عن حالة العلاج وحالة نفسيتك الآن وشعورك بالتحسين (هكذا كتبها) حتى أطمئن عليك، فأنت عندى أغلى من نفسى التى بين جنبى.. لا حرمنى الله منك مدى الحياة، والله أسأل أن يبقيك لنا ذخرًا وفخرًا للشرق والعالم أجمع يا سومة. وختامًا أرجو أن تتفضلى بتقبيل أياديك، وتفضلى بقبول احترامى وتمنياتى لك الطيبة.


من صديقك المخلص الوفى محمد القصبجى.. 6 حارة الطوبجى شارع عبدالعزيز.


من المعروف أن القصبجى أحب ثومة من طرف واحد وعاش قريبًا منها ملحنًا وقائدًا لفرقتها ثم عازفًا على العود فى الفرقة إلى آخر حياته. من المعروف كذلك أنه كان يشعر بالغيرة من كل الذين اقتربوا منها أو لاح أنها قد ترتبط بأحدهم، وعلى رأس هؤلاء كان الملحن محمود الشريف الذى ارتبط بها فى علاقة حب وخطوبة قبل أن يتدخل أولاد الحلال ويفسدوا ما بينهما. كان القصبجى يستقل تاكسيًا كل صباح يتتبع به سيارة أم كلثوم الخاصة وهى تذرع القاهرة وبداخلها صاحبتها وإلى جوارها يجلس محمود الشريف الذى منحته مشاعرها، تلك المشاعر التى ضنت بها على القصبجى ورامى وغيرهما من العشاق الولهانين الذين كانوا يريقون الحب والكبرياء على أعتابها ويستعذبون الهوان فى حبها، ولعل هذا ما جعلها تتجه بعواطفها لمحمود الشريف، الخشن القبضاى الذى لا يمنعه الحب من أن يشكم المحبوبة حتى لو كانت أم كلثوم. الجدير بالملاحظة فيما يخص أم كلثوم والقصبجى ليس فقط الانسحاق والتبعية من جانب الملحن الكبير، وإنما الفارق المادى والاجتماعى بينهما رغم البدايات المتواضعة لكليهما، فبينما أم كلثوم تمتلك أحدث موديل من السيارات فإن القصبجى كان يقتفى أثرها فى تاكسى! وبينما هى تعيش فى فيللا فخمة بالزمالك فإن القصبجى كان يعيش فى حارة الطوبجى بعابدين، وقد يكون فى هذا دلالة على ضعف الهمة لدى القصبجى الذى لم يحسن إدارة موهبته كما فعل الداهية الأريب عبدالوهاب الذى عاش حياة اللوردات طول عمره، وكما فعل ملحنون أقل قيمة وقامة وموهبة من القصبجى بكثير. وقد نضيف الفقر إلى أهم أسباب ضعف الهمة لدى الموسيقار القدير، فهو لم يستطع أن يواجه غضبة أم كلثوم فيتركها ويتجه لتصعيد أصوات جديدة تنافسها، لأن هذا كان يحتاج إلى مال ينفقه على المواهب الجديدة وحجز استوديوهات للتسجيل ودفع أجور للموسيقيين إلى آخر اللوجستيات التى يحتاجها الإنتاج الفنى والتى أتقنها عبد الوهاب وفريد وعبدالحليم ومحمد فوزى. ومن الملاحظ أن أم كلثوم عجزت عن تحجيم فريد الأطرش رغم عدم استساغتها لشخصه أو لألحانه لأنه كان نجمًا سينمائيًا يتقاضى أعلى أجر فى أفلامه وله ألتراس يحميه ويحضر حفلاته رغم الكيد الشرس له من أم كلثوم وعبدالوهاب وعبد الحليم، وهوالأمر الذى لم يتوافر للقصبجى الذى لم يكن مطربًا يسهر الجمهور فى حفلاته ولا نجمًا سينمائيًا يحطم الشباك مثل فوزى وفريد. لم تستطع أم كلثوم أيضًا أن تكسر زكريا أحمد الذى غضب منها فواجهها فى المحاكم ولم يخضع لسلطانها رغم نفوذها المجتمعى وعلاقاتها بدوائر السلطة.


مأساة القصبجى أنه كان موسيقيًا فقط فى زمن لم تكن الناس تحفل كثيرًا بالموسيقى قدر اهتمامها بالمطرب والممثل. الوحيد الذى فرض نفسه بموسيقاه دون تمثيل أو غناء هو رياض السنباطى، فهو على الرغم من حلاوة صوته ومن تجربة وحيدة فى التمثيل قد فرض موسيقاه على الدنيا كلها دون وجود ألتراس صحفى أو إعلامى ودون أن يكون صديقًا ومسامرًا ليليًا مثل غيره، لأن شخصيته القوية وكبرياءه وتلحينه لكل أهل الغناء فى وجود أم كلثوم، واليسار المادى الذى عاش فيه حصّنه من أن ينكسر، وقد كان يعيش فى فيلا محترمة تليق به فى مصر الجديدة ولا يقطن فى مسكن بائس فى 6 حارة الطوبجى بعابدين!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات