«دخلت الإدارة الأمريكية معارك الشرق الأوسط بهدف إعادة تشكيل المنطقة، لكن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت عن أن أمريكا خسرت نفوذا ورصيدا استراتيجيا أكثر مما كسبت».
العبارة السابقة ليست من تأليفى أو تخيلى، وإن كنت قلتها كثيرا فى هذا المكان فى الأسابيع الأخيرة، لكن العبارة للكاتب الأمريكى المعروف فى صحيفة النيويورك تايمز توماس فريدمان فى مقال أخير له نُشر قبل أيام قليلة.
ما قاله فريدمان يقوله العديد من الخبراء والمحللين الأمريكيين والأوروبيين والروس والصينيين، والعرب. الوحيد الذى ينكره هو الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يكرر صباح مساء وبلا ملل أن بلاده انتصرت انتصارا ساحقا وإيران انهزمت هزيمة منكرة وأن قواتها البرية والبحرية والجوية تدمرت وجيشها انهار وأفراده لا يتسلمون رواتبهم واقتصاد الدولة على شفا الإفلاس.
قد يكون كلام ترامب صحيحا عن خسائر إيران، لكن مادام أن كل ما سبق لم يؤد إلى انهيار النظام حتى الآن فأمريكا لم تنتصر.
الحروب لا تقاس نتائجها فقط بالخسائر البشرية والاقتصادية، وهى مهمة جدا، لكنها تقاس أساسا بالنتائج السياسية.
ترامب ونتنياهو أعلنا أهدافها الأساسية حينما شنا الحرب على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، وقبلها فى شهر يونيو من العام الماضى، هذه الأهداف تتمثل فى القضاء على البرنامج النووى الإيرانى والقضاء على النظام الصاروخى، وعلى وكلاء إيران فى المنطقة، وإسقاط النظام الإيرانى وإحلال نظام موالٍ لهما، وسمعنا عن أسماء محددة يتم تجهيزها، وميليشيات جرى إمدادها بالسلاح وخدمة إنترنت مفتوحة كى تتحرك الجموع الغاضبة ضد النظام الإيرانى.
نتنياهو خدع ترامب بمهارة شديدة خلال لقائهما الشهير فى ١١فبراير قبل الحرب لـ ١٧ يوما وقال له إن النظام الإيرانى سيسقط بعد أيام من بدء الضربات، وترامب تصور أن الأمور سوف تسير بنفس السيناريو الذى جرى مع الرئيس الفنزويلى السابق، نيكولاس مادورو، الذى جرى القبض عليه فى حجرة نومه واقتياده إلى محكمة فى نيويورك. والمؤكد أن ترامب اعتقد أن هذا المشهد الهوليوودى سيتكرر مع قادة إيران وسيدخله التاريخ من أوسع أبوابه، والأهم سيجعله المتحكم الأول فى نفط العالم، وبالتالى يستطيع أن يساوم ويبتز الصين والهند وأوروبا واليابان التى تعتمد على نفط المنطقة.
لكن الذى حدث على أرض الواقع مختلف تماما حتى هذه اللحظة، وأكرر حتى هذه اللحظة لأننا لا نعرف هل ستحدث مفاجآت فى الأيام والأسابيع المقبلة، أم لا، وهل تتغير الموازين العسكرية أم لا، وهل تلجأ أمريكا وإسرائيل من باب اليأس إلى استخدام أسلحة دمار شاملة أم لا.
حتى هذه اللحظة ورغم الضربات الصعبة التى تعرضت لها إيران، فإنها حققت صمودا عسكريا واضحا. ووجهت ضربات صعبة للقواعد الأمريكية فى المنطقة وكذلك لإسرائيل.
دخلت أمريكا الحرب وهى تريد تحقيق الأهداف التى تحدثنا عنها، وانتهى الأمر بأنها تتفاوض الآن على مجرد فتح مضيق هرمز الذى كان مفتوحا بالفعل ومجانا للجميع.
إيران تستخدمه كسلاح نووى فعلى وتريد استخدامه كورقة دائمة فى أى مواجهة.
اختفى الحديث تماما عن البرنامج النووى أو الصاروخى، أو أذرع إيران التى ما تزال تلعب دورا مهما ونرى الاعتداءات من الحوثيين والحشد الشعبى على السعودية وغيرها.
حتى هذه اللحظة لا يمانع ترامب فى أى اتفاق مادام أنه سيؤدى إلى فتح مضيق هرمز بحيث تنخفض أسعار البترول حتى لا يؤثر على فرص الحزب الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى فى أوائل شهر نوفمبر المقبل.
النظام الإيرانى لم يكتفِ فى الأيام الأخيرة بتحدى الولايات المتحدة، بل إنه بدأ يرفع سقف مطالبه ويغالى فيها بدرجة تثير الدهشة، فهو يريد تعويضا عن العدوان، ويريد الإفراج عن الأرصدة المجمدة، ويريد رسوما على المرور فى مضيق هرمز، ويريد انسحابا أمريكيا من محيط إيران، ويرد تسوية سلمية فى لبنان وغزة.
بالطبع النظام فى إيران يدرك أن هذه المطالب مبالغ فيها تماما، على الأقل بسبب وجود حكومة متطرفة فى إسرائيل، لن نقبل ببقاء إيران قوية. وليس عندى شك فى أنه إذا فاز الائتلاف المتطرف فى انتخابات إسرائيل أواخر أكتوبر المقبل، وإذا حافظ الحزب الجمهورى على أغلبية الكونجرس بمجلسيه، فسوف يعودان إلى مهاجمة إيران لتركيعها والهيمنة على المنطقة والعمل على إشعال حرب عربية إيرانية، أو سنية شيعية بكل السبل.
لكن ومادام أن ذلك لم يحدث حتى الآن فالولايات المتحدة تلقت هزيمة استراتيجية فى المنطقة. وإذا تم تثبيت ذلك على الأرض فسوف نرى تداعيات مهمة جدا فى المستقبل، أهمها أن دول الخليج فقدت الثقة فى أمريكا وتبحث عن تحالفات جديدة وهو موضوع يستحق نقاشا لاحقا إن شاء الله.