أحمد رأفت.. الإنسان فى ثوب الجنرال (1-2) - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الجمعة 14 أغسطس 2026 7:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

أحمد رأفت.. الإنسان فى ثوب الجنرال (1-2)

نشر فى : الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:10 م

• لم يكن اللواء أحمد رأفت مجرد رجل أمن محترف مخضرم خاض الأهوال الجسام طوال حياته وعاش المخاطر واحدًا تلو الآخر، ولم يكن مجرد عبقرية أمنية متفردة أو ضابط وطنى مخلص، ولكنه كان إنسانًا من الطراز الأول، ولعل هذه الصفة بالذات مع كفاءاته المتعددة هى السبب الرئيسى فى نجاح مبادرة منع العنف.

• وقد عاصرت الرجل واقتربت منه وخبرت شخصيته كما خبر شخصيتى، وكان يحسن قراءة الناس، وما أخطأ فى قراءة أحد رآه، وكل توقعاته فى الأشخاص الذين قابلهم صدقها الزمان وحققته الأيام، وكانت لديه فراسة فى الناس قوية جدًا.

• ومن ملامح إنسانية الجنرال الذهبى أحمد رأفت ما يلى:

• أنه لم يكن يعرف الغدر أبدًا حتى بخصومه، فما بالكم بمن يضع يده بيده، وقد قال لى مرارًا: كان يمكننى أن أصنع جاهًا كاذبًا وأغدر بالجناح العسكرى للجماعة الإسلامية الذى سلم نفسه، ونعمل دعاية كبرى أنهم قتلوا فى اشتباك مع قوى الأمن، وأعمل شو كاذبًا، ولكنى لا يمكن أن أخون أو أغدر.

• كان يكرر: ما دمنا بدأنا طريق المبادرة فلن تكون هناك دماء ولا إعدامات، لأننى لا يمكن أن أبدأ طريق السلام وتكون بيننا قطرة دماء واحدة مهما كانت الظروف، وحافظ على هذا المبدأ، وكذلك كل تلاميذه.

• لم يكن يعطى عهدًا إلا وينفذه، ويتأنى فى الوعود، وكان يمنح أكثر مما يعد، ولعل الذى يرى مجمل إنجازاته فى المبادرة سيعرف أنه نفذ أكثر من عهوده، فقد كان سخيًا كريمًا، وكل من تتلمذ على يديه ورث منه هذه الصفة، فجمع الأقارب والأسر فى معتقل واحد، والإفراج عن المرضى والمعوقين أولًا، وتحويل السجون إلى جامعات، واستخراج بطاقات الرقم القومى داخل المعتقلات لكل المعتقلين، وذبح العجول فى عيد الأضحى وتوزيعها على المعتقلين، وتوزيع الحلوى والتمر فى شهر رمضان، وتوزيع الأموال على فقراء المعتقلين فى الأعياد، وعمل الأجهزة التعويضية لمرضى الشلل والبتر، وإجراء كل الجراحات الضرورية داخل المعتقل، وتسهيل الخدمات الحكومية لكل من خرج من المعتقل، وتيسير كل الامتحانات بدءًا من معهد القراءات والمعاهد المتوسطة مرورًا بالثانوية العامة وانتهاءً بالبكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ففى عهد المبادرة ناقش الدكتوراه خارج المعتقل عدد لا بأس به، وكانت المناقشات فى مدرجات الكلية وعلنية، ولا تشعر أنه سجين.

• لم يكن الخوف يعرف إلى قلب هذا الرجل طريقًا، ولم أجد أجرأ منه طوال حياتى، فهو صاحب فكرة وقرار خروج المعتقلين لزيارة منازلهم، سواء للعزاء فى الآباء أو الأمهات، أو لحضور الأفراح للبنات، أو لزيارة المرضى، وقد أحصيت قرابة ١٥٠٠ زيارة منزلية منذ بداية المبادرة حتى نهايتها، ومنهم محكوم عليهم بالإعدام، وكان يمكث بعضهم فى البيت وحده ثم يعود بسلاسة ودون تعقيد، وكان لا يشعر هؤلاء بأية إجراءات أمنية خفية يتخذها حتى لا ينغص على الزائر بهجة الزيارة ولا يخوف أهل المنزل، وأذكر أنه وثق بى وبالشيخ كرم فى ترحيل محكوم عليه بالإعدام فى سيارة عادية دون قيود، والحراسات مخفية فى سيارات أخرى، من القاهرة للمنيا.

• وعموما، هو صاحب كل القرارات الأمنية الشجاعة التى اتخذت فى وقت المبادرة، وللحقيقة، فكل هذه القرارات صدق عليها ووافق عليها وزير الداخلية وقتها، اللواء حبيب العادلى، الذى ظُلم كثيرًا أيام الثورة، وكانت السجون فى عهده هى أفضل سجون العالم، ورغم ذلك تشوهت سمعته بفعل فاعل.

• كان الجنرال أحمد رأفت يرى أن أى معتقل يُكرم فى سجنه، وأى هارب سلم نفسه يُعامل معاملة كريمة، وهذا سيؤدى إلى نتائج إيجابية عظيمة فى تتابع تسليم الهاربين لأنفسهم، ولعل ذلك هو ما جعل المئات من الهاربين داخل مصر وخارجها يسلمون أنفسهم طواعية ويريدون تسوية مواقفهم، وهذا أنجح المبادرة نجاحًا كبيرًا؛ لأنهم شعروا أنه لن يغدر بهم أحد، وسيعاملون معاملة حسنة.

• الجنرال أحمد رأفت هو ضابط الأمن السياسى الوحيد فى تاريخ مصر الذى كان يقف بين قرابة أربعة آلاف معتقل فى سجن الوادى الجديد ونصفهم فى سجن الفيوم، يحيطون به ويسلمون عليه ويقبلونه ويعطونه طلباتهم ويتحدثون إليه دون حراسة، ودون أن يتم تفتيش هذه الآلاف، ثقة فيهم وثقة فى قادتهم فى منظومة رائعة قدمتها الجماعة الإسلامية بدقة، وعندما اعترضت حراسته الخاصة على مثل هذه التصرفات قال بثقة: هؤلاء سيحرسوننى، وقد حدث ذلك فى كل المعتقلات التى جاء إليها: «الوادى والفيوم والعقرب ووادى النطرون ودمنهور»، وكنت أتعجب لثقته فى ربه وثقته فى هؤلاء الإخوة الذين أحبوه بصدق، وكان بعضهم يستشيره فى همومه وأحزانه ومشكلاته الإنسانية والاجتماعية، فيحلها لهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكان يصنع ذلك دون تكلف ودون شو أو منظرة.

• وللحديث بقية فى الجزء الثانى من هذا المقال.

 

التعليقات