• أحببت اثنين حبا جما دون أن ألتقى بهما، كتبت عنهما كثيرا، تأملت سيرتهما طويلا، عشقت قصص كفاحهما وعطائهما، والغريب أنهما من إفريقيا، أحدهما النجاشى ذلك الملك الصالح العابد الزاهد، ومانديلا ذلك الحاكم العادل المتفرد نجاشى العصر وأيقونة الزمان، كلاهما يشبه الآخر.
• كتبت كثيرا عن النجاشى، وكذلك عن مانديلا، وها أنذا أجدد الكتابة اليوم عن مانديلا الذى أحببته وتأثرت به كثيرا، هذا هو مانديلا عملاق العدل والإنصاف والزهد.
• عاش مانديلا يتيما فأعطته مدرسة اليتم صلابة فى رحمة وقوة فى تسامح، آمن بأن الإنسان هو السلعة الأغلى والأعظم وصاحب السيادة فى بلده، كان يكرر القول: إن بلدى غنية بالمعادن والأحجار الكريمة المدفونة تحت أرضها ولكنى أعرف دائما أن ثروتها الحقيقية فى أناسها وفى أولئك الرفاق الذين تعلمت منهم الشجاعة، فكم رأيت رجالا ونساء يضحون بحياتهم من أجل فكرة الحرية ورأيت رجالا يواجهون تعذيبا دون أن يهنوا مظهرين قوة واحتمالا يفوق الخيال، وتعلمت منهم أن الشجاعة ليست فى انعدام الخوف ولكن فى الانتصار عليه.
• ويصف شعبه فى يوم إنهاء سياسة التفرقة العنصرية وتساوى السود مع البيض بقوله: لقد جاء هذا اليوم عن طريق تضحيات لا يمكن تصورها من جانب الآلاف من شعبى ذلك الشعب الذى لا يمكن تقدير أو مجاراة شجاعته، أبى الرجل أن ينسب الفضل لنفسه أو إلى حزبه الإفريقى الذى كابد الأهوال كى يصل لتلك اللحظة الفارقة فى حياته وحياة أمته.
• وقف يوم الاحتفال بتتويجه رئيسا ينظر لقادة الجيش والشرطة وهم يحيونه، فكتب فى مذكراته «لم أنس أنهم لم يكونوا يحيوننى بل كانوا يلقون القبض علىّ، وهم اليوم لا يحيون شخصى فى المقام الأول ولكن الديمقراطية والحرية والتسامح والعدالة بين السود والبيض».
• تذكر مانديلا فى هذه اللحظات الفارقة فى تاريخ جنوب إفريقيا كيف تدرج فهمه للحرية منذ شبابه وحتى هذه اللحظة «ولدت حرا أجرى فى الحقول وأسبح فى القناة وأمارس النشاطات الصبيانية» وعندما ذهبت لجوهانسبرج وجدت أننى لست حرا وكذلك كل السود فانضممت للمؤتمر الوطنى الإفريقى لأطلب الحرية للسود، وجدت بعد ذلك أن فهمى كان قاصرا لا تطلب الحرية للسود فقط بل لكل الناس بيضا وسودا.
• ثم تطور الأمر معه ليحرر الظالم من الكراهية والتمييز وضيق الأفق، ولما خرج من السجن تطور مفهومه إلى مهمة «تحرير الظالم والمظلوم» حسب قوله، فقد اكتشف السر أنه بعد أن يتسلق الإنسان تلا يكتشف أن عليه أن يتسلق تلالا أخرى كثيرة».
• لقد فزع مانديلا فى نهاية كفاحه حينما اكتشف أنه اهتم بشعبه على حسابه أسرته ولكنه واسى نفسه بقوله: «فى بلد مثل جنوب إفريقيا كان من المستحيل أن أجمع بين واجب أسرتى ووطنى وقومى بسبب مولدى ولونى، فمثلنا الذى يحاول أن يفى بواجبه نحو شعبه يُنزع من أسرته ومنزله ويجبر على مثل ما أجبرت عليه، لم أختر أن أضع شعبى فوق أسرتى ولكننى منعت قسرا أن أؤدى واجبى نحوها».
• وحينما فاز بجائزة نوبل للسلام قال: «لم أكن أهتم بالجوائز الشخصية لأنه لا يليق للمقاتل من أجل الحرية أن يأمل فى كسب الجوائز، ولكنى فرحت وتأثرت بهذه الجائزة بالذات لأن لها معنى خاصا فى جنوب إفريقيا حيث حصل عليها الرئيس لوثولى فى الستينيات والأسقف توتو الذى حارب شرور العرقية والتمييز العنصرى، كما أن النرويج والسويد لم يتخليا أبدا عن السود.
• وبعد أن أخذ كل ذى حق حقه وسطعت شمس الحرية وتساوى البيض مع السود فى إفريقيا توقفت أعمال العنف تماما فى جنوب إفريقيا حيث قادها مانديلا بالحب والتسامح وليس بالسيف والكرباج وقال فى ختام مذكراته: «وكأنما البلد قد ولدت من جديد».
• وفازت جنوب إفريقيا بقرعة تنظيم مباريات كأس العالم لتأتى وفود العالم كله إلى الاتحاد الذى كان يحكمه البيض وحدهم فإذا فيه كل الأجناس والألوان واللغات والأعراق فى تناغم يدل على أنه يمكن لأبناء آدم أن يتعايشوا فى سلام إذا تركوا أطماعهم ومظالمهم وأثرتهم وإقصاءهم للآخرين.
• هذا هو مانديلا الذى استقال بعد مدة رئاسية واحدة رغم أنه كان يمكنه البقاء حتى الممات، ولكنه كان عبقريا ومتسامحا وزاهدا ليجمع شعبه ويوحده وينهى صراعاته إلى الأبد.
• تحية للحبيب الأثير نيلسون مانديلا الذى لن يتكرر فى هذا الزمان.