تكشف نتائج انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية عن حقيقة سياسية بات من الصعب تجاهلها: ألمانيا تدخل مرحلة جديدة يتقدم فيها اليمين المتطرف بصورة متسارعة، بينما يتراجع الحزبان اللذان شكلا لعقود العمود الفقرى للنظام الحزبى الألمانى، الحزب المسيحى الديمقراطى والحزب الاشتراكى الديمقراطى. ولم يعد صعود حزب البديل من أجل ألمانيا مجرد ظاهرة احتجاجية فى شرق البلاد، أو تعبير مؤقت عن غضب الناخبين من سياسات الحكومة الاتحادية، وإنما تحول إلى قوة سياسية جماهيرية تنافس الأحزاب التقليدية على صدارة المشهد.
جاء فوز حزب البديل فى ساكسونيا أنهالت تاريخيا بكل المقاييس. فقد حصل على نحو 44% من الأصوات ونال 39 مقعدا فى برلمان الولاية، ليصبح أكبر حزب بفارق هائل عن الحزب المسيحى الديمقراطى الذى هبط إلى نحو 17%، بعدما كان قد حصل على أكثر من 37% فى انتخابات 2021. أما الحزب الاشتراكى الديمقراطى فبقى عند نحو 9%، فى حين حصل حزب الخضر واليسار على نحو 9% و8% تقريبا، ودخل تحالف سارة فاجنكنشت البرلمان بنحو 5%.
ولا تكمن أهمية النتيجة فى أن حزب البديل أصبح القوة الأولى فى ولاية شرقية فحسب، فهذا حدث فى ولايات أخرى، وإنما فى اقترابه للمرة الأولى من الوصول إلى رئاسة حكومة ولاية ألمانية. فقد أخفق الحزب بفارق محدود فى الحصول على الأغلبية المطلقة، لكنه بات يمتلك 39 مقعدا من أصل 83، الأمر الذى يجعل تشكيل حكومة بدونه شديد الصعوبة. والأكثر أهمية أن تحالف سارة فاجنكنشت، وهو حزب صغير يجمع بين مواقف اقتصادية واجتماعية يسارية ومواقف محافظة فى الهجرة والسياسة الخارجية، أصبح قادرا على لعب دور حاسم فى تمكين حزب البديل من الوصول إلى الحكم، ولو من خلال ترتيبات برلمانية أو الامتناع عن التصويت وليس بالضرورة عبر ائتلاف حكومى رسمى.
•••
وهنا نصل إلى المعنى الأعمق للانتخابات. فقد حافظت الأحزاب الألمانية الرئيسية طوال السنوات الماضية على ما يسمى «الجدار النارى» فى مواجهة حزب البديل، أى رفض التعاون معه أو تشكيل حكومات مشتركة. وكان هذا الموقف مفهوما فى ضوء طبيعة الحزب وأفكاره اليمينية المتطرفة، وكذلك فى ضوء التاريخ الألمانى. لكن المشكلة أن الجدار النارى لم يوقف صعود حزب البديل، بل ربما أسهم، بصورة غير مقصودة، فى تعزيز صورته كحزب معارض للنخب السياسية التقليدية وكقوة وحيدة قادرة على تحدى النظام القائم.
واليوم أصبح هذا الجدار أكثر هشاشة. فإذا أتاح حزب صغير من اليسار الشعبوى لحزب البديل الوصول إلى رئاسة حكومة ساكسونيا أنهالت، حتى من دون تشكيل ائتلاف رسمى معه، فستكون ألمانيا قد تجاوزت عتبة سياسية ونفسية مهمة. إذ سينتقل حزب البديل من موقع القوة الاحتجاجية إلى موقع الحزب الذى يستطيع أن يحكم ولاية ألمانية، وأن يختبر أمام الناخبين قدرته على إدارة المؤسسات والسياسات العامة. وهذه لحظة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل فى السياسة المحلية.
والأخطر أن الرهان القائل إن وصول حزب البديل إلى الحكم سيؤدى تلقائيا إلى تراجع شعبيته لا يبدو رهانا سليما. هذا الافتراض يفترض أن الناخبين الذين يصوتون للحزب يفعلون ذلك فقط احتجاجا على الأحزاب الأخرى، وأنهم سيتخلون عنه عندما يتحمل مسئولية الحكم. لكن صعود الشعبوية فى ألمانيا وأوروبا خلال السنوات الماضية لا يؤيد بالضرورة هذا الاستنتاج. فقد أصبحت قطاعات واسعة من الناخبين أكثر استعدادا لتأييد الأحزاب الشعبوية والقومية حتى عندما تدخل هذه الأحزاب الحكم، خصوصا إذا تمكنت من إقناع مؤيديها بأن المؤسسات التقليدية والإدارة والقضاء والإعلام تعرقل تنفيذ أجندتها.
وهذا ينطبق بصورة خاصة على شرق ألمانيا. فالفوارق الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التى استمرت بعد توحيد ألمانيا لم تختفِ، كما أن قطاعات من سكان الولايات الشرقية لا تزال تشعر بأنهم مواطنون من الدرجة السياسية الثانية مقارنة بالغرب. وقد نجح حزب البديل فى تحويل هذا الشعور إلى قاعدة انتخابية مستقرة، وربطه بقضايا الهجرة والأمن والاقتصاد وتكاليف المعيشة والحرب فى أوكرانيا والعلاقة مع روسيا. ومن ثم فإن ما يحدث فى ساكسونيا أنهالت لا يمكن تفسيره فقط بأداء الحكومة الاتحادية الحالية، وإن كان هذا الأداء قد ساهم بلا شك فى تسريع التحول.
•••
وهنا تظهر مسئولية الحزب المسيحى الديمقراطى وفريدريش ميرتس. فقد كان رهان المستشار الألمانى يتمثل، إلى حد كبير، فى استعادة الناخب المحافظ من حزب البديل عبر تبنى مواقف أكثر تشددا فى الهجرة والأمن والهجرة غير النظامية، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على موقع الحزب باعتباره القوة المحافظة المسئولة. لكن انتخابات ساكسونيا أنهالت تكشف حدود هذا الرهان. فحين يزداد تشدد الحزب المسيحى الديمقراطى فى بعض القضايا، لا يعنى ذلك بالضرورة أن ناخبى حزب البديل سيعودون إليه؛ فقد يفضلون الأصل الأكثر تطرفا على النسخة الأكثر اعتدالا منه.
بل إن النتيجة تحمل رسالة أكثر إزعاجا لميرتس: محاولة منافسة حزب البديل على أرضه السياسية لم تمنع الحزب من مضاعفة قوته، بينما أدت فى المقابل إلى إضعاف المسافة السياسية بين اليمين المحافظ واليمين المتطرف. وبعد أن كان الحزب المسيحى الديمقراطى هو التعبير الطبيعى عن المحافظية الألمانية، أصبح مضطرا اليوم إلى الدفاع عن موقعه فى مواجهة حزب يضغط عليه من اليمين بصورة متزايدة.
وقد جاءت الهزيمة فى ساكسونيا أنهالت فى وقت يعانى فيه ميرتس وحكومته الاتحادية بالفعل من ضغوط اقتصادية وسياسية. فالحكومة تواجه تراجع الثقة، والخلافات داخل الائتلاف بشأن الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وعدم قدرة الإنفاق العام وبرامج الاستثمار الكبرى على استعادة ثقة الناخبين سريعا. وتشير تقارير حديثة إلى أن الانتخابات عمقت الخلافات داخل الائتلاف بين الحزب المسيحى الديمقراطى والحزب الاشتراكى الديمقراطى بشأن الإصلاحات والميزانية والسياسات الاجتماعية.
أما الحزب الاشتراكى الديمقراطى، فإن مشكلته أكثر عمقا. فالحزب الذى كان تاريخيا يمثل الطبقة العاملة والشرائح الأقل دخلا يجد نفسه عاجزا عن استعادة قاعدة انتخابية واسعة فى شرق ألمانيا، بينما تجتذب الشعبوية اليمينية قطاعات من الناخبين الذين كانوا فى الماضى أقرب إلى اليسار. وهذه مفارقة شديدة الدلالة: جزء من الاحتجاج الاجتماعى الذى كان يمكن أن يذهب إلى اليسار ينتقل اليوم إلى اليمين الشعبوى، لأن حزب البديل نجح فى تقديم نفسه باعتباره حزب الاحتجاج على النظام السياسى والاقتصادى بأكمله.
•••
ومن هنا فإن الأزمة ليست أزمة حزب البديل وحده، بل أزمة الأحزاب التقليدية. فحين يحصل حزب اليمين المتطرف على نحو 44% فى ولاية ألمانية، ويحصل الحزب المسيحى الديمقراطى على أقل من 18%، ويظل الحزب الاشتراكى الديمقراطى عند حدود 9%، فإن المسألة تتجاوز الانتخابات المحلية. إنها تعنى أن البنية التى قامت عليها السياسة الألمانية منذ عقود آخذة فى التفكك.
كما أن حزب البديل نفسه بدأ يتصرف على أساس أنه لم يعد حزب احتجاج. فقد اعتبر زعيمه المحلى أولريش زيجمان النتيجة تفويضا للحكم، بينما ينظر الحزب إلى الفوز باعتباره خطوة باتجاه هدف أكبر يتمثل فى الوصول إلى السلطة الاتحادية. وقد أظهر الحزب بالفعل أنه قادر على تحويل الغضب من الهجرة والاقتصاد وتكاليف المعيشة والسياسات الخارجية إلى مشروع سياسى متكامل، حتى وإن ظل مثيرا للانقسام والخوف لدى قطاعات كبيرة من المجتمع الألمانى.
ولذلك سيكون من الخطأ السياسى التعامل مع ساكسونيا أنهالت باعتبارها استثناءً شرق ألمانيا. صحيح أن الشرق يمثل البيئة الأكثر ملاءمة لحزب البديل، لكن الاتجاه العام يتجاوز حدود الشرق. فالحزب أصبح منافسا قويا على المستوى الوطنى، بينما يتراجع الفارق بينه وبين الحزب المسيحى الديمقراطى فى استطلاعات الرأى، وتتعرض الأحزاب التقليدية لضغوط مستمرة من اليمين واليسار معا. كما أن صعود الشعبوية لم يعد ظاهرة ألمانية منفردة، بل جزء من تحول أوروبى أوسع يعكس أزمة الثقة فى المؤسسات التقليدية والأحزاب الوسطية.
ولعل المفارقة أن محاولة عزل حزب البديل قد تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد حجمه الانتخابى. فحين يمثل الحزب أقلية صغيرة يمكن تجاهله أو عزله بسهولة نسبية، أما عندما يقترب من نصف الناخبين فى ولاية، يصبح السؤال مختلفا: كيف يمكن لنظام ديمقراطى أن يتعامل مع قوة انتخابية بهذا الحجم من دون أن يمنحها، فى الوقت نفسه، شرعية سياسية لا تستحقها؟ هذه هى المعضلة التى ستواجه ألمانيا فى السنوات المقبلة.
ومن ثم فإن المطلوب من الأحزاب الديمقراطية التقليدية ليس فقط منع حزب البديل من دخول الحكومات، وإنما استعادة القدرة على إقناع المواطنين بأن الديمقراطية الوسطية قادرة على معالجة مشكلاتهم. فالهجرة، والأمن، وتراجع الصناعة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة الخدمات العامة، والفوارق بين شرق ألمانيا وغربها، ليست قضايا يمكن تجاوزها بمجرد التحذير من اليمين المتطرف. وإذا لم تقدم الأحزاب التقليدية حلولا ملموسة لها، فإن التحذير من حزب البديل سيبدو لكثير من الناخبين مجرد دفاع عن نظام سياسى فقد قدرته على إقناعهم.
وهكذا فإن ساكسونيا أنهالت قد تكون نقطة تحول فى السياسة الألمانية. فالمسألة لم تعد ما إذا كان اليمين المتطرف سيواصل الصعود، وإنما ما إذا كان سيصبح القوة الحزبية الأولى فى ألمانيا، وما إذا كان الحزب المسيحى الديمقراطى والحزب الاشتراكى الديمقراطى قادرين على وقف تراجعهما. أما الرهان على أن وصول حزب البديل إلى الحكم سيؤدى تلقائيا إلى انكشاف عجزه وفقدان شعبيته، فهو رهان لا يجوز الاطمئنان إليه. فقد يتحول الحكم، على العكس، إلى منصة جديدة لتطبيع وجوده وإثبات قدرته على إدارة المؤسسات وتوسيع قاعدته الانتخابية.
ألمانيا إذن لا تواجه مجرد انتصار انتخابى لحزب يمينى متطرف فى ولاية شرقية، وإنما تواجه بداية إعادة ترتيب للنظام الحزبى الذى حكم الجمهورية الاتحادية طوال عقود. وإذا لم تستطع الأحزاب التقليدية استعادة ثقة الناخبين ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تغذى الشعبوية، فإن ما حدث فى ساكسونيا أنهالت قد لا يكون ذروة صعود حزب البديل، وإنما مجرد البداية.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى