الصين فى مصر.. شراكة تتسع وخيارات القاهرة تتعدد - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 4 سبتمبر 2026 7:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

الصين فى مصر.. شراكة تتسع وخيارات القاهرة تتعدد

نشر فى : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:05 م

لا تكمن الأهمية الحقيقية لزيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر فى سبتمبر 2026 فى كونها أول زيارة له إلى القاهرة منذ عشر سنوات، ولا فى أنها تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين فحسب، وإنما فى أنها تأتى فى لحظة إقليمية ودولية مختلفة تمامًا عن تلك التى شهدت زيارته السابقة إلى مصر عام 2016. ففى السنوات العشر الماضية تغيرت موازين القوى الدولية، وتصاعد التنافس الأمريكى الصينى، وتعرض الشرق الأوسط لسلسلة من الحروب والصراعات، وأصبح الاعتماد على قوة خارجية واحدة لضمان المصالح الوطنية والإقليمية أقل أمانًا مما كان عليه فى السابق. ومن ثم فإن ما جرى فى القاهرة ينبغى أن يُقرأ باعتباره محاولة مصرية صينية مشتركة للارتقاء بالعلاقة الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.


والأهم بالنسبة إلى مصر أن هذه الشراكة لا ينبغى أن تعنى الانتقال من الاعتماد على الولايات المتحدة والغرب إلى الاعتماد على الصين، وإنما تعنى العكس تمامًا: توسيع دائرة الشركاء الدوليين بما يزيد من هامش الحركة والاستقلال فى القرار المصرى. وهذه نقطة جوهرية فى فهم السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة. فالقاهرة لا تبدو راغبة فى الانضمام إلى محور دولى فى مواجهة محور آخر، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات واسعة مع واشنطن وبكين والعواصم الأوروبية والقوى الإقليمية، بحيث لا تتحول مصالحها الحيوية إلى رهينة لعلاقة واحدة أو لقوة دولية واحدة.


• • •
ومن هذه الزاوية، تأتى الاتفاقات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية التى شهدتها زيارة شى جين بينج لتؤكد أن العلاقة المصرية الصينية تجاوزت مرحلة الاقتصار على مشروعات البنية الأساسية والاستثمارات الصينية إلى محاولة بناء قاعدة أوسع للتعاون الإنتاجى والتكنولوجى. فقد شهدت الزيارة توقيع 25 اتفاقية ووثيقة تعاون، شملت مجالات اقتصادية وتكنولوجية وتنموية مختلفة، إلى جانب الاتفاق على إطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المصرية الصينية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.


وتكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية خاصة فى هذا السياق. فالصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية كبيرة فقط، وإنما باعتبارها نقطة ارتكاز للتجارة الدولية وموقعًا يمكن من خلاله الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا. وفى المقابل، تحتاج مصر إلى تحويل موقعها الجغرافى وقناة السويس من مجرد مصدر مهم للعملة الأجنبية وعائدات الخدمات إلى قاعدة للتصنيع والتصدير والاستثمار التكنولوجى. وإذا نجحت القاهرة فى جذب الاستثمارات الصينية فى الصناعات ذات القيمة المضافة وربطها بسلاسل التوريد العالمية، فإن الشراكة الصينية يمكن أن تسهم فى تغيير طبيعة الاقتصاد المصرى وليس فقط فى تمويل بعض مشروعاته.


وهنا تأتى أهمية التكنولوجيا. فالتعاون فى مجالات الذكاء الاصطناعى والاقتصاد الرقمى والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وغيرها من القطاعات الحديثة يفتح أمام مصر فرصة لا ينبغى أن تضيعها. المطلوب ليس مجرد استيراد منتجات صينية أكثر تقدمًا، وإنما استخدام الاستثمارات الصينية لتوطين جزء من المعرفة والتكنولوجيا، وتدريب العمالة المصرية، وإقامة صناعات قادرة على التصدير. فالفارق كبير بين علاقة اقتصادية تقوم على استيراد السلع وعلاقة استراتيجية تقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.


كما أن التفاهمات المتعلقة بتوسيع استخدام العملات المحلية وتجديد وتوسيع ترتيبات مبادلة العملات بين البلدين تشير إلى رغبة فى تطوير أدوات مالية وتجارية تقلل بعض الضغوط المرتبطة بالعملات الأجنبية. لكن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرتبطًا فى النهاية بقدرة مصر على زيادة صادراتها إلى الصين وتقليص الاختلال الكبير فى الميزان التجارى. فلا يمكن بناء شراكة اقتصادية متوازنة إذا ظلت الصين مصدرًا رئيسيًا للواردات المصرية بينما بقيت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية محدودة.


ومن هنا ينبغى للقاهرة أن تتعامل مع الشراكة الصينية بعقلية المصالح الاقتصادية المصرية أولًا. فالصين تمتلك رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية، بينما تمتلك مصر الموقع الجغرافى والقوة العاملة والسوق الكبيرة والارتباط بالأسواق العربية والإفريقية وقناة السويس. والمطلوب هو بناء علاقة تستفيد من نقاط القوة لدى الطرفين، لا أن تتحول مصر إلى سوق للمنتجات والاستثمارات الصينية فقط.
• • •
لكن التطور الأكثر دلالة فى العلاقة المصرية الصينية ربما يتمثل فى انتقالها تدريجيًا إلى المجالين العسكرى والأمنى. فالمناورات الجوية المشتركة «نسور الحضارة 2026» تعكس ارتفاع مستوى التعاون العسكرى وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة فى البلدين، وتأتى فى سياق أوسع لتطوير العلاقات الدفاعية. كما أكد الرئيسان خلال الزيارة توسيع التعاون فى المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب.


ولا ينبغى، مع ذلك، تفسير التعاون العسكرى المصرى الصينى باعتباره بداية لتحالف عسكرى بين البلدين. فمصر ليست فى حاجة إلى استبدال تحالف عسكرى بآخر، كما أن مصالحها لا تتطلب الدخول فى سياسة المحاور. الأهم هو أن تمتلك القاهرة مصادر متعددة للتسليح والتكنولوجيا والخبرة العسكرية، بما يمنحها استقلالية أكبر ويقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد.


وتزداد قيمة هذا التنويع فى بيئة دولية أصبحت فيها العلاقات بين الدول الكبرى أكثر توترًا وأقل قابلية للتنبؤ. فحين تستخدم الدول الكبرى التجارة والتكنولوجيا والعقوبات والتسليح أدوات فى صراعاتها الجيوسياسية، يصبح تنويع الشركاء جزءًا من حماية الأمن القومى وليس مجرد خيار اقتصادى.
• • •
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده فى زيارة الرئيس الصينى هو البعد الدبلوماسى المتعلق بالأمن المائى المصرى. فقد أكد الجانب الصينى إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر وحقها المشروع فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية، كما دعا البلدان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولى وعدم التسبب فى إحداث ضرر.


وهذا الموقف يحمل أهمية سياسية واضحة لمصر. فالأمن المائى ليس ملفًا اقتصاديًا أو تنمويًا فحسب، وإنما يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن القومى المصرى. ولذلك فإن حصول القاهرة على دعم دولة كبرى بحجم الصين لمبدأ احترام القانون الدولى وعدم الإضرار بالمصالح المائية للدول يمثل مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا، حتى وإن كان من الخطأ تفسيره باعتباره انحيازًا صينيًا مباشرًا إلى مصر فى مواجهة إثيوبيا.


فالسياسة المصرية الرشيدة تقتضى أن يظل ملف مياه النيل قائمًا على التفاوض والقانون الدولى والتعاون بين دول الحوض، وأن تستخدم القاهرة شبكة علاقاتها الدولية لتعزيز فرص التوصل إلى ترتيبات عادلة ومستدامة، وليس لتحويل قضية النيل إلى مواجهة دولية بين معسكرات متنافسة. والدعم الصينى فى هذا السياق يمكن أن يكون عنصرًا مساعدًا للدبلوماسية المصرية وليس بديلًا عنها.


وفى المقابل، أكدت مصر خلال الزيارة التزامها بمبدأ الصين الواحدة، واعتبار تايوان جزءًا من الأراضى الصينية، ورفض التدخل الخارجى فى القضايا التى تعتبرها الصين من صميم سيادتها. وهذا الموقف ليس جديدًا فى السياسة المصرية، لكنه اكتسب دلالة إضافية فى ظل تصاعد التوتر حول تايوان بين الصين والولايات المتحدة.


وإذا كان من حق مصر أن تطلب من شركائها الدوليين احترام مصالحها الحيوية، وفى مقدمتها أمنها المائى، فمن الطبيعى كذلك أن تحترم المصالح الأساسية التى تعتبرها الصين جزءًا من أمنها القومى. وهنا تظهر إحدى قواعد العلاقات الدولية التى تحتاج القاهرة إلى التمسك بها أكثر من أى وقت مضى: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل فى شئونها الداخلية يجب أن يكون مبدأ عامًا، لا موقفًا انتقائيًا يُطبق على بعض الدول دون غيرها.


• • •
لكن القيمة الأكبر للعلاقة المصرية الصينية لا تكمن فى تبادل المواقف السياسية وحده، وإنما فى قدرة القاهرة على تحويلها إلى عنصر من عناصر الاستقلال الاستراتيجى. فمصر تقع اليوم فى منطقة شديدة الاضطراب، وتحيط بها أزمات أمنية وحروب وصراعات ممتدة من غزة إلى السودان والبحر الأحمر والخليج وليبيا. وفى الوقت نفسه، تتغير طبيعة العلاقة بين الشرق الأوسط والقوى الدولية الكبرى، ولم يعد من الممكن افتراض أن الولايات المتحدة أو غيرها ستظل قادرة أو راغبة دائمًا فى توفير الاستقرار الإقليمى بالشروط ذاتها التى عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية.


ومن ثم فإن توسيع العلاقة مع الصين يمثل بالنسبة إلى مصر جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع المخاطر. فالقاهرة تحتاج إلى علاقات قوية مع الولايات المتحدة، لكنها تحتاج فى الوقت ذاته إلى علاقات قوية مع الصين وروسيا وأوروبا واليابان والهند والقوى الإقليمية. ولا يتعارض ذلك مع الشراكة المصرية الأمريكية، بل يمكن أن يجعلها أكثر توازنًا؛ إذ إن الشراكة تكون أكثر استدامة عندما تقوم على المصالح المتبادلة لا على الاعتماد غير المتكافئ.


وهذه هى الرسالة الأهم التى يمكن استخلاصها من زيارة شى جين بينج إلى القاهرة. مصر لا تبحث عن راعٍ جديد، وإنما عن شركاء متعددين. والصين، من جانبها، لا تحتاج بالضرورة إلى أن تحل محل الولايات المتحدة فى مصر أو الشرق الأوسط، وإنما تريد توسيع حضورها الاقتصادى والتكنولوجى والسياسى فى منطقة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة إلى التنافس الدولى.


وبالتالى فإن مصلحة القاهرة تقتضى ألا تنظر إلى الصين باعتبارها بديلا للولايات المتحدة، كما لا ينبغى أن تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها بديلا للصين. فالدول التى تنجح فى عالم متعدد الأقطاب هى تلك التى تستطيع أن تتعامل مع القوى الكبرى وفقًا لمصالحها الوطنية، وأن تتجنب الارتهان لمحور واحد، وأن تحافظ فى الوقت ذاته على استقلال قرارها.


إن زيارة شى جين بينج إلى مصر، وما صاحبها من اتفاقات اقتصادية وتكنولوجية وتعاون عسكرى وتفاهمات دبلوماسية، تمثل فرصة مهمة للقاهرة. غير أن نجاحها لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو بمظاهر الاحتفاء السياسى، وإنما بمدى قدرة مصر على تحويل هذه الاتفاقات إلى استثمارات منتجة وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل، وإلى دعم دبلوماسى لمصالحها الحيوية، وفى مقدمتها أمنها المائى.


والأهم أن الشراكة مع الصين ينبغى أن تندرج ضمن رؤية مصرية أوسع للأمن القومى والاستقلال الاستراتيجى، تقوم على تعدد الشراكات بدلًا من تبعية واحدة، وعلى الدبلوماسية بدلًا من الاصطفاف، وعلى المصالح المتبادلة بدلًا من المحاور.


فى عالم يتغير بسرعة، لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، وإنما كذلك بقدرتها على تنويع خياراتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، قد تكون الرسالة الأهم لزيارة الرئيس الصينى إلى القاهرة أن مصر تدخل مرحلة جديدة من سياستها الخارجية: مرحلة لا تستبدل فيها قوة كبرى بأخرى، وإنما تعمل على أن تكون لها علاقات واسعة مع الجميع، وقدرة أكبر على الاختيار، وهامش أوسع للدفاع عن مصالحها الوطنية.

 

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات