ماذا طلبت مصر من الصين وإيطاليا بشأن إثيوبيا؟ - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الجمعة 4 سبتمبر 2026 7:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

ماذا طلبت مصر من الصين وإيطاليا بشأن إثيوبيا؟

نشر فى : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:00 م | آخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2026 - 6:00 م

كثيرون تحدثوا وكتبوا عن نتائج زيارة الرئيس الصينى شين جين بينج يومى الثلاثاء والأربعاء الماضيين للقاهرة، خصوصا فيما يتعلق بتعميق الشراكة الاستراتيجية فى جميع المجالات، لكن قلة فقط هى من توقفت عند الجزء الخاص بالسدود التى تبنيها إثيوبيا على النيل، وكثيرون لم يربطوا بين ذلك ونتائج زيارة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالى أنطونيو تايانى للقاهرة فى اليوم التالى مباشرة، وما جاء فيها بالنسبة لنفس البند.


سنتحدث أولا عما جاء فى البيان المصرى الصينى المشترك والمكون من ٢١ نقطة. ولم يكن صدفة أن يكون البند المتعلق بمياه النيل يحتل المرتبة الثالثة فى البيان بعد الديباجة والحديث عن تعميق وتطوير العلاقات، وعمليا فإن البند الثالث يعتبر الأول. وجاء فيه نصا:
«أكد الجانبان مجددا تبادل الدعم الثابت فى القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر. أكد الجانب الصينى إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسى، وحقها المشروع فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية، حيث دعا الجانبان كل دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولى، بما فى ذلك عدم التسبب فى إحداث ضرر. وأكد الجانب المصرى رفضه التدخل فى الشئون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضى جمهورية الصين الشعبية».


السؤال: لماذا هذا البند مهم ولماذا الحديث عن تايوان؟

الإجابة أن هذا البند شهد مباحثات مكثفة للغاية بين الخبراء فى البلدين قبل مجىء الرئيس الصينى، بل إن كلمة واحدة استغرق النقاش بشأنها أياما. الصين هى أحد كبار الداعمين لإثيوبيا، خصوصا فى إقامة المشروعات الكبرى وتمويلها، وهى التى أمدت إثيوبيا بتوربينات السد، والأهم أنها كانت ترفض تماما ما تنادى به مصر إقليميا ودوليا بشأن تقسيم المياه بين كل الدول المتشاطئة، وأنه لا يحق لدولة المنبع منع المياه عن دول المصب.


سبب الرفض أن الصين نفسها هى دولة منبع فى العديد من أنهارها، وإذا وافقت على ذلك فهى تدين أو تقيّد نفسها فى أى مشروعات مائية على السدود النابعة من أراضيها.


وبالتالى فحينما توافق الصين على هذا البند الآن لصالح مصر وتطالب إثيوبيا بالالتزام بالقانون الدولى فيما يتعلق باتفاقيات الأنهار، فهذا تطور سياسى كبير بالنسبة للموقف الصينى، صحيح أن الصين لن تحارب معركة مصر، لكن أن تعلن تأييدها لهذا المبدأ فهو أمر مهم للغاية ويزيد من عزلة إثيوبيا دوليا فى هذه المعركة.


أما فيما يتعلق بوضع تايوان فى هذا البند وهل هناك جديد فى هذا الشأن، فالإجابة هى لا. فمصر تعترف بصين واحدة منذ عام ١٩٥٦ حينما أقامت العلاقات مع الصين كأول دولة عربية إفريقية، ولم تعترف أبدا بتايوان.


ووضع هذه الفقرة أنه مثلما أن السدود على النيل مسألة حيوية وجوهرية للأمن المصرى فإن مبدأ الصين الواحدة مسألة جوهرية لبكين.


وفيما يتعلق بزيارة نائب رئيس الوزراء الإيطالى أنطونيو تايانى فقد جاء فى البيان الرسمى أن «الرئيس السيسى أكد الأهمية الحيوية لقضية نهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسى وقضية أمن قومى، مشددا على حق مصر المشروع فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية، ورفضها القاطع أى أعمال أحادية الجانب على مجرى النهر، وضرورة الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولى، بما فى ذلك عدم التسبب فى إحداث ضرر».


والسؤال الذى قد يسأله كثيرون: وما قيمة هذه الفقرة فى لقاء مصرى إيطالى، بل ما علاقة إيطاليا بالسد الإثيوبى من الأساس؟


الإجابة هى أن من بنى جسم السد الإثيوبى هو شركة سالينى الإيطالية وشركات فرعية تابعة لها وقد حاولت مصر مرارا إقناع الحكومة الإيطالية وقتها بمنع ذلك، لكن الأخيرة تذرعت بأنها شركة قطاع خاص ولا تستطيع منعها، وكنت شاهدا على جانب من هذه الاتصالات فى خريف ٢٠١٣، حينما كان السفير نبيل فهمى وزيرا للخارجية ورافقته يومها فى زيارة خاطفة إلى روما.


التحرك المصرى مع أهم دولتين دعما إثيوبيا عمليا أمر مهم جدا فى إطار السعى المصرى المحموم لمنع إثيوبيا من بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، لأنها لو نفذت ذلك سيعنى «خنق مصر» حسبما سمعته من مسئول مصرى بارز.
فى النهاية من المنطقى أن يسأل البعض مستنكرا وله كل الحق: وما قيمة كل ما سبق، ألسنا نكرر هذا الكلام منذ كان السد الإثيوبى مجرد رغبة فى أبريل ٢٠١١ ثم أصبح أمرا واقعا، وتريد إثيوبيا بناء المزيد من السدود لخنق وتعطيش مصر وتحقيق ما عجزت عنه إسرائيل والغرب بكل الرسائل؟


السؤال مشروع لكن الدولة تقول إنها تبذل كل الجهود بالوسائل المختلفة وبالحسابات الدقيقة.


ورغم ذلك فهى أبلغت كل من يهمه الأمر أنها لن تتسامح مع أى سدود جديدة، وسبق لها إخطار مجلس الأمن بأنها ستتخذ جميع التدابير لحماية حقوق ومقدرات شعبها فى نهر النيل.


لسان حال المواطن المصرى البسيط يقول إن إثيوبيا صارت مثل إسرائيل لا يفرق معها كثيرا منطق ضبط النفس والجهود الدبلوماسية والقانون الدولى والتنديد والشجب. هى لن ترتدع إلا بالقوة وحينما تدرك أن ثمن السدود الجديدة سيكون فادحا بشكل لا تتحمل كلفته.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي