يُثار هذه الأيام الكثير من الهمس واللغط والحقائق المخلوطة بالأكاذيب عن عضويات بعض المسئولين الحاليين والسابقين فى مجالس إدارات بعض الهيئات والمؤسسات والبنوك، ومن المهم وجود ردود وتوضيحات وشفافية حتى لا يصبح هذا الهمس سيفا مسلطا على كثير من الأسماء والشخصيات المحترمة.
طبقا لما سمعته فإن الذى فجّر هذه القضية المهمة هو الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيا بإصراره على الحفاظ على المال العام، وألا يتربح المسئول ـ أيا كان منصبه ـ حتى لو تم هذا التربح بصورة قانونية.
هناك منشور أو بوست متداول على "فيسبوك" يتحدث بالأسماء عن عضويات لبعض المسئولين الحاليين والسابقين فى مجالس إدارات العديد من البنوك والهيئات والمؤسسات، والمشكلة أنه فى غياب الشفافية والوضوح، تنشأ بيئة خصبة للشائعات والنميمة تصور الجميع كأنهم فاسدون.
وقد كتبت نصا فى مقال هنا فى "الشروق"، يوم ٥ أغسطس الماضى، الفقرة التالية، تلميحا لهذا الموضوع وقلت: «من المهم الإدراك بأن الفساد ليس أن تسرق أو تمد يدك فى جيب غيرك، ولكن أن تستغل منصبك ونفوذك للحصول على ما ليس حقا لك، والإثراء من خلال هذا المنصب، حتى لو كان عبر أوراق تبدو سليمة وقانونية».
انتهى الاقتباس، وبالمناسبة فهذه العبارة سمعتها من أكثر من مصدر منسوبة لمسئول رفيع المستوى.
لم أتطرق مباشرة يومها لهذه القضية لأننى لم أكن أملك أى معلومات حقيقية. وقد لامنى أحد الأصدقاء على هذا الغموض الذى قد يصيب القارئ بالارتباك. فشرحت له سر الغموض لكنه لم يقتنع، وله كل الحق فى ذلك.
والذى دفعنى اليوم للكتابة الصريحة فى هذا الموضوع ما كتبه الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق للشئون الاقتصادية، أمس الجمعة، على صفحته على "فيسبوك"، يشرح فيه جوانب مهمة فى هذا الموضوع، خصوصا أن اسمه قد ورد ضمن المسئولين السابقين الذين يشغلون عضوية بعض مجالس الإدارات.
فى توضيحه قال الدكتور بهاء الدين، وهو خبير قانونى واقتصادى بارز، إن هذا الموضوع المهم يحتاج إلى تدقيق وتفرقة بين حالات مختلفة.
فالوزير الحالى الذى يشغل عضوية مجلس إدارة بنك قد يكون مستغلا لمنصبه ومستفيدا من المجاملة، لكن عضويته قد تكون صحيحة تماما ولا غبار عليها وضرورية مثل وزير التخطيط فى بنك الاستثمار القومى ووزيرة التضامن فى بنك ناصر، لأن رئاسة الوزير للبنك جزء من عمله المنصوص عليه قانونا.
فى حالة الدكتور زياد بهاء الدين، وكما يشرح عن نفسه، فإنه أولا لا يجمع بين أكثر من عضوية بنك كما جاء فى الشائعات، ثم إنه وزير سابق من عام ٢٠١٣، وبالتالى لا توجد شبهة مجاملة لتعيينه عضوا فى مجلس إدارة أى بنك أو شركة.
ويقول عن نفسه أيضا: «إننى حينما أصبحت وزيرا عاما ٢٠١٣ استقلت فورا من كل نشاط مهنى وتجارى، وبقيت على هذه الحال لمدة ٦ شهور بعد خروجى من المنصب عام ٢٠١٤. ويضيف أنه خلال وجوده فى الوزارة أقدم وأشرف على قانون تنظيم تعارض المصالح رقم ١٠٦ لسنة ٢٠١٣.
يحسب للدكتور زياد بهاء الدين مسارعته لتوضيح الأمر وخوفه على صورته، وأتمنى من كل شخص ورد اسمه فى هذه القوائم أن يحذو حذوه. وهو يعيب على الذين تناولوا هذا الموضوع عدم الدقة بما يجعل الملتزم يؤخذ بجريرة المخالف، ويجعل المخالف يحتمى بنزاهة الملتزم.
أدرك تماما أن هناك عددا كبيرا من المسئولين يشغلون عضوية العديد من مجالس إدارات البنوك والشركات والهيئات بصورة نزيهة ومحترمة ولا يخالفون القانون إطلاقا، بل إن أحدهم حينما تم تعيينه وزيرا قال إن دخله قبل الوزارة يفوق مرتبه كوزير أربعة أو خمسة أضعاف، ولديه أبناء يدرسون فى الخارج ويدفع رسومهم بالعملة الصعبة، فماذا يفعل؟!
وأعرف وزيرا سابقا أعاد مكافآت عضوية مجالس الإدارات إلى خزينة الدولة، وأعرف وزيرا ثالثا يرفض أن يتقاضى هذه المكافآت القانونية تجنبا لمواطن الشبهات رغم أنه لا يملك إلا راتبه.
لكن فى المقابل هناك البعض الذى يتقاضى مكافآت كثيرة بحكم عضويته فى عشرات مجالس الإدارات المختلفة، قد تكون كل أوراقه سليمة وقانونية، لكنها قد تكون تربحا واستغلالا للنفوذ.
أخيرا يحسب للرئيس السيسى رفضه الشديد لهذه الممارسات الملتوية. ولا يتسامح مع أى شخص أو مسئول يتورط فى مثل هذه الممارسات.
نحتاج إلى مزيد من الشفافية والرقابة والمحاسبة و«ضرب المربوط حتى يخاف السايب».