العقيدة الإمبريالية وحرب أمريكا الخاسرة - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 21 أغسطس 2026 7:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

العقيدة الإمبريالية وحرب أمريكا الخاسرة

نشر فى : الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:45 م

كانت الولايات المتحدة، منذ اللحظة الأولى التى قررت فيها استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد إيران، أمام خيار آخر أقل كلفة وأكثر اتساقًا مع مصالحها ومصالح حلفائها فى الخليج والشرق الأوسط. كان يمكن لواشنطن أن تمتنع عن التورط فى حرب مفتوحة، وأن تعمد بدلًا من ذلك إلى تشديد الضغوط الاقتصادية والمالية على إيران، بالتوازى مع جهد دبلوماسى واسع يهدف إلى تغيير سلوكها الخارجى ودفعها إلى إعادة النظر فى سياساتها الإقليمية والنووية والصاروخية. وليس المقصود هنا افتراض أن العقوبات الاقتصادية كانت ستؤدى بالضرورة وبسرعة إلى استسلام إيران أو تغيير نظامها السياسى، وإنما القول إن أداة الضغط الاقتصادى، إذا اقترنت بالدبلوماسية والحوافز والتنسيق الدولى والإقليمى، كانت ستتيح لواشنطن مجالا أوسع لتحقيق أهدافها من دون إطلاق حرب تحمل اليوم الخليج والشرق الأوسط والعالم خسائر وأخطارا هائلة.


فالحرب التى بدأت فى فبراير الماضى لم تفض، حتى الآن، إلى النتيجة التى كان يمكن أن تبرر كلفتها الاستراتيجية والإنسانية. وبعد أشهر من الضربات والتصعيد، ما زالت إيران قادرة على المقاومة، وما زالت المفاوضات متعثرة، فيما تحول مضيق هرمز إلى أحد أخطر بؤر التوتر فى النظام الاقتصادى العالمى. وتراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بشدة، الأمر الذى انعكس على أسواق الطاقة والشحن والتجارة الدولية.


المفارقة الأكثر دلالة أن الولايات المتحدة تعود اليوم، بعد أشهر من الحرب، إلى الأداة التى كان يمكن أن تجعلها محور استراتيجيتها منذ البداية: الضغط الاقتصادى. فقد بدأت إدارة الرئيس دونالد ترامب فى أغسطس تكثيف العقوبات والبحث عن وسائل جديدة لتجفيف مصادر تمويل إيران، بينما يرى مسئولون أمريكيون أن العقوبات والحصار الاقتصادى يمكن أن يلحقا بالاقتصاد الإيرانى ضررًا طويل الأمد ربما يفوق ما يمكن أن تحققه الضربات العسكرية.


• • •


والسؤال الذى يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم تبدأ الولايات المتحدة من هذه النقطة بدلا من أن تخوض الحرب ثم تعود إليها؟


لا شك فى أن الضغط الاقتصادى ليس أداة سحرية. فقد أثبتت العقوبات، على مدى سنوات طويلة، قدرة إيران على التكيف والالتفاف على القيود المالية والتجارية، كما أن العقوبات الواسعة يمكن أن تلحق أضرارا بالمجتمع الإيرانى وتدفع قطاعات منه إلى الالتفاف حول السلطة بدلا من معارضتها. لكن هذه الملاحظات لا تلغى الفارق الجوهرى بين العقوبات والحرب. فالعقوبات تمنح الدولة التى تستخدمها إمكانية التصعيد التدريجى والتراجع والتفاوض والمقايضة، بينما الحرب تخلق ديناميكية يصعب التحكم فيها، وتفتح أبوابا للرد والرد المضاد، وتدفع الأطراف إلى استهداف مصالح بعضها بعضا فى مناطق متعددة.


وكان من الممكن للولايات المتحدة أن تتبنى منذ البداية استراتيجية تقوم على عزل إيران اقتصاديًا وماليًا بصورة أكثر إحكامًا، مع استهداف مصادر تمويل الحرس الثورى والشبكات المرتبطة بتجارة النفط والتهريب، وتشديد الرقابة على المؤسسات التى تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات. وفى الوقت نفسه، كان يمكن لواشنطن أن تعرض مسارًا واضحًا لتخفيف العقوبات مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق فى الملفات النووية والصاروخية والإقليمية. أى أن الضغط الاقتصادى لم يكن ينبغى أن يكون بديلًا عن الدبلوماسية، بل أداة لتعزيز القدرة التفاوضية الأمريكية.


وكان هذا الخيار سيمنح الولايات المتحدة أيضًا فرصة للعمل مع دول الخليج والقوى الإقليمية الأخرى بدلًا من وضعها فى قلب حرب لا تملك السيطرة على مساراتها. فدول الخليج، حتى تلك التى ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، لا مصلحة لها فى أن تتحول أراضيها وموانئها ومنشآتها النفطية إلى ساحات للمواجهة الأمريكية الإيرانية. وكلما اتسعت الحرب أصبحت هذه الدول مضطرة إلى الموازنة بين التحالف مع الولايات المتحدة والحاجة إلى تجنب استهدافها من جانب إيران.


وقد كشفت التطورات الأخيرة عن حجم هذه المعضلة. فالإمارات، التى كانت لعقود مركزًا تجاريًا وماليًا مهمًا للتعامل مع إيران، أعلنت هذا الأسبوع وقف التعاملات التجارية والمالية مع طهران بعد تصاعد التوترات والهجمات الصاروخية المنسوبة إلى إيران. ومن المفارقات أن هذه الخطوة جاءت فى سياق الضغط الاقتصادى المتصاعد الذى تعتمده واشنطن حاليا، بما يؤكد أن الأدوات الاقتصادية تستطيع، عندما تتسع وتتضافر، أن تضيق هامش الحركة الإيرانى من دون الحاجة بالضرورة إلى الحرب الشاملة.


• • •
أما الكلفة التى تحملها الخليج، فهى لا تقتصر على الخسائر المباشرة أو مخاطر الهجمات. فمجرد تهديد الملاحة فى مضيق هرمز يكفى لرفع كلفة التأمين والنقل والطاقة، وإرباك الأسواق العالمية. والمضيق ليس مجرد ممر مائى خليجى، وإنما شريان أساسى للاقتصاد العالمى، وقد أدى تراجع حركة السفن فيه إلى ارتفاع درجة عدم اليقين فى أسواق النفط والغاز والشحن.


وهكذا تحولت الخلافات الأمريكية الإيرانية إلى أزمة عالمية يدفع ثمنها المستهلكون والاقتصادات والأسواق، وليس فقط أطراف النزاع المباشر.


والأخطر من ذلك أن الحرب أضعفت فكرة الأمن الإقليمى بدلًا من أن تعززها. فعندما تصبح القوة العسكرية الأمريكية هى الأداة الرئيسية لمواجهة إيران، تتراجع فرص بناء ترتيبات أمن جماعى تضم دول الخليج وإيران والعراق والدول العربية الرئيسية وغيرها. وتجد الدول الإقليمية نفسها أمام خيار الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بدلًا من بناء قواعد مشتركة لإدارة الخلافات ومنع استخدام القوة.


وهذا تحديدًا هو أحد الدروس الكبرى التى ينبغى استخلاصها من الأزمة الراهنة. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الحروب التى تخوضها القوى الكبرى بالوكالة أو مباشرة، وإنما يحتاج إلى إطار أمنى إقليمى يستطيع معالجة مصادر التوتر من خلال الحوار والردع المتبادل والضمانات والالتزامات المتبادلة. وكان من الممكن للولايات المتحدة أن تستخدم ثقلها الاقتصادى والدبلوماسى لدفع إيران نحو مثل هذا المسار بدلًا من أن تصبح طرفًا مباشرًا فى حرب واسعة.


كما أن الحرب أوجدت لإيران، وسياستها فى الشرق الأوسط ومنذ عقود ذات تأثير مقوض للاستقرار، فرصة لتقديم نفسها داخليًا وإقليميًا باعتبارها دولة تتعرض لهجوم خارجى، وهو ما يمكن أن يعزز مواقع القوى الأكثر تشددًا داخل النظام الإيرانى. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب والعقوبات المتصاعدة تعمقان الضغوط الاقتصادية على إيران، لكنهما فى الوقت نفسه قد تعززان نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية التى ترى فى المواجهة مع الولايات المتحدة دليلًا على صحة نهجها.


• • •
ومن هنا فإن الهدف الواقعى من السياسة الأمريكية تجاه إيران ينبغى ألا يكون تغيير النظام بالقوة، وإنما تغيير سلوك الدولة. وهذه نقطة جوهرية. فالولايات المتحدة ليست مطالبة بإعادة صياغة النظام السياسى الإيرانى، ولا تستطيع ضمان أن يؤدى سقوط النظام إلى نظام أكثر اعتدالًا أو استقرارًا. أما دفع إيران إلى تعديل سلوكها الخارجى، والحد من دعمها للجماعات المسلحة، واحترام حرية الملاحة، والقبول بقيود واضحة على برنامجها النووى والصاروخى، والانخراط فى ترتيبات أمنية إقليمية، فهى أهداف أكثر واقعية ويمكن قياسها والتفاوض بشأنها.


وكان يمكن لواشنطن أن تجمع لتحقيق ذلك بين العقوبات الذكية، والعزل المالى، والضغط على شبكات النفط والتهريب، والتنسيق مع أوروبا ودول الخليج والصين والهند وغيرها، وبين عرض حوافز اقتصادية ودبلوماسية واضحة مقابل التزامات إيرانية محددة. صحيح أن مثل هذا المسار كان سيحتاج إلى وقت وصبر، لكنه كان سيجنب الولايات المتحدة خطرًا بالغ الأهمية: أن تتحول الحرب إلى غاية فى ذاتها، وأن تصبح كل جولة من التصعيد مبررًا لجولة جديدة.


لقد أثبتت الأشهر الماضية أن القوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت وقدرات، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنتاج السلوك السياسى الذى تريده الدولة المهاجمة. بل قد تدفع الطرف الآخر إلى مزيد من التشدد، وإلى استخدام أوراق جغرافية واستراتيجية مثل مضيق هرمز والميليشيات والجماعات المسلحة وشبكات التجارة غير الرسمية. وتكشف التطورات الحالية أن إيران تستخدم الضغوط على طرق الطاقة والتجارة من أجل رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.


• • •
ولهذا فإن السؤال الذى يجب أن يطرح اليوم ليس فقط كيف تنتهى الحرب، وإنما لماذا بدأت أصلًا بهذه الطريقة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الأهداف الأمريكية من دونها. والجواب، فى تقديرى، هو أن الخيار البديل كان موجودًا، وإن لم يكن سهلًا أو مضمونًا. كان يمكن للولايات المتحدة أن تمارس ضغطًا اقتصاديًا أشد، وأن تستثمر فى الدبلوماسية أكثر، وأن تعمل مع القوى الوسيطة فى الشرق الأوسط وأوروبا، وأن تجعل أى تخفيف للعقوبات مشروطًا بتغييرات محددة فى السلوك الإيرانى.


ولو اتبعت واشنطن هذا المسار منذ البداية، لما كان من الممكن ضمان أن تتراجع إيران عن جميع سياساتها، لكن كان يمكن تجنب كثير من الخسائر التى تحققت بالفعل. لم يكن الخليج مضطرًا إلى تحمل مخاطر الحرب على منشآته وممراته البحرية، ولم تكن أسواق الطاقة العالمية لتتعرض بهذا الحجم من الاضطراب، ولم تكن الولايات المتحدة لتجد نفسها فى مواجهة حرب طويلة يصعب التحكم فى نهايتها، ولم يكن الشرق الأوسط ليُدفع مرة أخرى إلى دائرة جديدة من الاستقطاب العسكرى.


إن القوة الحقيقية للدولة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها من دون الحاجة إلى خوضها. وكان أمام الولايات المتحدة، فى تعاملها مع إيران، أن تستخدم تفوقها الاقتصادى والمالى والدبلوماسى بدلا من أن تجعل التفوق العسكرى نقطة الانطلاق. واليوم، بعد كل ما حدث، تعود واشنطن إلى الضغط الاقتصادى والتفاوض، وكأنها تعترف، بصورة متأخرة، بأن ما كان يمكن أن يكون بداية الاستراتيجية أصبح محاولة لإنهاء الحرب.


والدرس الأوسع بالنسبة إلى الشرق الأوسط هو أن الأمن لا يمكن أن يبنى على الحروب المتكررة ولا على انتظار تدخل قوة خارجية فى كل أزمة. فالحرب الأمريكية الإيرانية ألحقت أضرارًا بإيران، لكنها ألحقت أيضًا أضرارًا هائلة بجيرانها وبالاقتصاد العالمى وبالأمن الإقليمى، وأثبتت مرة أخرى أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن الشرق الأوسط كله. ولذلك فإن الأولوية، بعد انتهاء الحرب، يجب ألا تكون العودة إلى ترتيبات ما قبلها، وإنما بناء منظومة إقليمية جديدة تمنع تكرارها، وتضع حدودًا لاستخدام القوة، وتعيد الاعتبار للدبلوماسية والتفاوض والأمن الجماعى باعتبارها الوسائل الأقل كلفة والأكثر استدامة لحماية مصالح دول المنطقة وشعوبها.

 

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات