«… ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، كنا نعسكر فى منطقة خلفية ليست ببعيدة عن قناة السويس. كنت وقتها أخدم كضابط احتياط برتية ملازم أول فى ك 41 كبارى، وهى كتيبة تتبع اللواء 15 كبارى.
كانت مهمة كتيبتى وقت العمليات أن تنشئ كوبرى عائم جنوب الفردان لمساعدة مركبات ومدفعية ومشاة الفرقة الثانية مشاة فى عبور قناة السويس قبل آخر ضوء من يوم السبت 6 أكتوبر 1973 أول أيام حرب أكتوبر المجيدة.
كنت مسئولًا كقائد فصيلة عن تجهيز وإعداد سَبْعُ عربات زيل-131 السوفيتية الصنع، كلٍ منها تحمل «بَرْطُومًا» ومجهزة برافعة تحرك البرطوم إلى أعلى ثم تقذفه بشدة فى اتجاه سطح الماء. والبرطوم pontoon هو علبة معدنية مُفَرَّغَة من الداخل لتطفو على سطح الماء مصممة بحسب تقنيات الحرب العالمية الثانية للجيش السوفيتى ــ وقد نجحنا فى تصنيع نموذج محلى منها بأيادٍ مصرية ــ لكى تتشابك مع غيرها من البراطيم الطافية بحيث تُكَوِّنْ الجسم المعدنى العائم لـ«كوبرى الاقتحام» الذى سوف تعبر عليه مدرعات ومركبات ومدفعية ومشاة الجيش المهاجم لتصل إلى البر المعادى وتقتحم أرض العدو.
وذلك حتى تستطيع قواتنا المهاجمة أن تُنْشِئ «رأس جسر» وهو مصطلح عسكرى يعنى أرضًا ذات أهمية استراتيجية تم السيطرة عليها فى أرض العدو من قبل قواتنا المهاجمة وقد يكون ذلك بعد عبورها مانعًا مائيًا، تُسْتَخْدَم ْكقاعدة إنطلاق لتأمين العبور لباقى القوات والتوسع فى الهجوم وإدخال المزيد من القوات والعتاد.
كانت مهمتى المحددة هى أن أقود السبع عربات زيل-131 المحملة بالبراطيم وجنود الفصيلة البواسل عبر الطرق الجبلية الملتوية التى تصل بين مكان تجمعنا الخلفى ونقطة إنشاء الكوبرى العائم على قناة السويس الذى سوف تعبر عليه مركبات ومدفعية ومشاة الفرقة الثانية مشاة من قوات الجيش الثانى. وكان التخطيط الذى وضعه اللواء جمال محمد على قائد سلاح المهندسين يقوم على تخصيص 60 معبرًا على طول قناة السويس مما يعنى عمل 60 فتحة فى الساتر الترابى.
وقد تم تخصيص لكل معبر فصيلة مهندسين عسكريين مدعومة بعدد خمس قوارب خشبية حمولتها طن ونصف بالإضافة إلى خمس مضخات مياه وآلة جرف.
وكانت الخطة الموضوعة تقضى بإقامة عدد 12 ممرًا فى قطاع كل فرقة من فرق المشاة الخمس التى عبرت القناة، تكفى لإنزال كوبرى إقتحام ثقيل وكوبرى إقتحام خفيف وكوبرى هيكلى ومعديتين وخمس ناقلات برمائية بالإضافة إلى ممرين احتياطيين.
ومع الموجة الأولى من المشاة عبرت عناصر من المهندسين العسكريين إلى الشاطئ الشرقى للقناة لتأمين مرور المشاة فى حقول الألغام، وتلا ذلك مباشرة عبور عناصر أخرى من المهندسين العسكريين لتحديد محاور الثغرات فى الساتر الترابى وأماكن رسو القوارب التى تحمل المضخات بالإضافة إلى إعداد أماكن الأكتاف اللازمة للترسية حسب خصائص المعبر المخصص له الممر (معبر كبارى أو معديات أو مركبات بر مائية).
وبعد عبور هذه المجموعات بخمس دقائق، بدأ عبور المجموعات المكلفة بتشغيل المضخات وفور وصولها إلى الشاطئ الشرقى للقناة وُضِعَتْ الطلمبات على المصاطب التى سبق تجهيزها من قبل.
… تحركنا فى الموعد المقرر من قبل قيادتنا حوالى الساعة الرابعة مساءً. كنت فى المقدمة بينما تتبعنى العربات السبع التى تحمل البراطيم وأفراد الفصيلة البواسل الذين سوف يشاركون جميعًا فى قذف البراطيم السبع إلى مياه قناة السويس لتتشابك مع باقى براطيم كتيبتنا لننشئ أول كوبرى اقتحام خفيف عائم يحمل قواتنا الباسلة إلى الضفة الشرقية المحتلة من أرض سيناء الحبيبة. بعد حوالى خمس عشرة دقيقة من تحركنا من منطقة التجمع الخلفى فى اتجاه قناة السويس، وصلت فى العربة الأولى من عربات «القَوْلِ» (وهو سلسلة متتالية من العربات يتحركون فى طابورٍ واحد) إلى موقع إنشاء الكوبرى على شاطئ قناة السويس عند ساحة الإسقاط حيث توجد أماكن تم تجهيزها لإنزال البراطيم. نزلت من العربة التى كنت فيها، منتظرًا وصول باقى عربات القول السبع.
طال الوقت.. ولم تصل أى من العربات التى كنت أظن أنها تتبعنى عن كَثَبٍ داخل المدقات الجبلية الملتوية والمتشابهة.. تثاقلت الدقائق وكأنها تحمل أطنانًا من الأسمنت.. توسلت دعوات أمى الحبيبة.. كنت أحتاجها فى هذه اللحظات العصيبة.. تزاحمت فى رأسى الأفكار والهواجس.. كانت تحوم حولى وتنهش ما تبقى من سكينتى.. تصورت أن العربات السبع قد ضلت طريقها ولم تستطع الوصول إلى ساحة إسقاط البراطيم.. غمرنى إحساسٌ فظيع بالإهمال والفشل والتسبب فى إفساد خطة العبور العظيم.. وعندما بدأت أولى ملامح العربات الزيل فى الظهور.. واحدة تلو الأخرى فى تتابعٍ هادئ ورصين.. أدركت لوهلة أن صلوات أمى الساخنة وهى راكعة على بلاط بيتنا المتواضع فى الألف مسكن.. قد اخترقت كل حواجز الجاذبية الأرضية وإنطلقت بسرعة الضوء، لتصل فى الوقت المناسب إلى «غرفة العمليات السماوية…».
أصواتٌ داخلى
فى تلك الدقائق الأسمنتية المتثاقلة.. وأنا فى إنتظار السبع براطيم التى كانت فى حوزتى وفقدتها.. تتابعت أمام عيناى كل لحظات الفشل والإحباط واليأس التى داهمتنى من قبل.
رسوبى فى المواد الخمس فى سنة أولى هندسة قسم مدنى.. اندفاعى للمشاركة فى جانب من اعتصام طلاب جامعة القاهرة فى يناير 1972 تعبيرًا عن رفض حالة اللا حرب واللا سلم التى بدت سائدة وغياب الأمل فى الخروج المُشَرِّفْ منها.. وأخيرًا فشلى فى إتمام المناورة بالمعدية بحسب ما أراده منى قائدى المقدم فؤاد عبد العزيز فى أحد تدريباتنا الطويلة على قيادة المعديات فى القناطر الخيرية.
• • •
وعندما اكتملت البراطيم السبع واجتمع أفراد فصيلتى البواسل من حولى، استعدت الإمساك بزمام نفسى.. وعاد إلىَّ وعيى باللحظة التاريخية التى نخوضها وبدورى المحدد فى إنجازها.. وانتعش داخلى فجأة دفق كرامتى التى غابت.
باحث وخبير تنموى من مصر