«لست من أشد المعجبين بالبابا لاون.. إنه رجلٌ لا يؤمن بوقف الجريمة» دونالد ترامب
«يسوع المسيح هو ملك السلام الذى يرفض الحرب والذى لا يستطيع أى مخلوق أن يستخدم اسمه القدوس لتبرير الحروب. وهو لا ينصت لصلوات الذين يشعلون الحروب».
البابا لاون الرابع عشر، أحد السعف، 29 مارس 2026
«الحرب ليست من فعل الله. إن جذرها الدفين هو الصراع المحتدم داخل كل إنسان بين الجسد والروح» القديس أوغسطينوس
مقتفيًا آثار أقدام معلمه الروحى القديس أوغسطينوس، قام البابا لاون الرابع عشر بزيارة الموقع الأثرى لمدينة هيبون الرومانية القديمة (عَنَّابة) على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك فى ثانى أيام زيارته التاريخية للجزائر فى 14 أبريل من هذا العام. وكأن «التلميذ» يعود إلى جوهرة الشرق الجزائرى ليفتح الحوار من جديد مع معلمه وأبيه الروحى (الذى ينتمى إلى الأصول الأمازيجية) داخل مبنى البازيليكا ذات الملامح المعمارية الرومانية/ البيزنطية/الأندلسية بالقرب من بقايا كنيسته الأثرية؛ حيث خدم أسقفًا لهذه المدينة التاريخية فى الفترة من عام 396 وحتى وفاته بها عام 430 ميلادية.
ويبدو أن الأسئلة التى أثارتها مقولة البابا لاون المعادية للحرب فى توقيت مرور شهر على شن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى سياق عظته فى المصلين بميدان القديس بطرس بالفاتيكان فى أحد السعف، قد أعادت إلى الأذهان تعاليم القديس أوغسطينوس عن «الحرب العادلة» وموقف البابا لاون المتحفظ منها (راجع الرسالة البابوية Magnifica humanitas عن «حماية الكائن البشرى فى زمن الذكاء الاصطناعى» الصادرة فى 25 مايو 2026).
عاش أوغسطينوس فى سنوات اضمحلال وتهاوى الإمبراطورية الرومانية حين غابت قيمة «العدل» التى تقضى بأن يُعْطَى كل ذى حقٍ حقه، وأصبح الحكام الطغاة فى صراعهم الضارى لتحقيق مصالحهم الذاتية أشبه بعصابات المجرمين. وبحسب كلماته: «حين تغيب العدالة.. يتهاوى النظام السياسى العام».
ويبدو أن الظرف التاريخى الذى شهد غياب قيمة «العدل» والذى أجبر القديس أوغسطينوس على طرح مفهومه الخاص عن الحرب العادلة يتشابه مع الظروف العالمية الحالية والصراع الضارى الذى يدور فى منطقتنا والذى تنتهك أطرافه كل قواعد القانون الدولى.
• • •
فى هذه اللحظة الحرجة التى يسميها بعض المحللين «لحظة هرمز» (بشير عبد الفتاح، لحظة هرمز، جريدة الشروق فى 21 أبريل 2026) حيث تُحْتَجَزْ على جانبى المضيق مايقرب من 1600 سفينة وناقلة عليها ما يقرب من عشرين ألفًا من البحارة من مختلف الجنسيات، وذلك نتيجة إغلاق إيران للمضيق بالإضافة إلى إحكام الجيش الأمريكى حصاره البحرى على الموانئ والمنافذ البحرية الإيرانية. وحيث يرى المراقبون أن إجراءات الحظر الانتقائى التى فرضها الجيش والحرس الثورى الإيرانى على حركة السفن والناقلات فى المضيق (التى تشمل 20% من شحنات الغاز المسال و25% من النفط المنقول بحريًا على مستوى العالم) هى بمثابة إعلان الحرب على الاقتصاد العالمى.
وهى قد جاءت ردًا على العدوان الأمريكى/ الإسرائيلى على إيران فى 28 فبراير من هذا العام واغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية فى إيران، وذلك بغرض إحداث تعديلٍ فى موازين القوة لصالح إيران فى حربها «غير المتماثلة» فى مواجهة عناصر التفوق الساحق فى التكنولوجيا العسكرية والقدرات التدميرية لدى الطرفين الأمريكى والإسرائيلى. وهى الحرب التى كلفت إيران مايقرب من 144 مليار دولار وتدمير نسبة معتبرة من قوتها العسكرية وقدراتها الصاروخية وجانب واسع من بنيتها التحتية المدنية ومكونها الصناعى/ العسكرى ومنشآت برنامجها النووى، إلى جانب 3468 من القتلى العسكريين والمدنيين (بحسب تصريحات الرئيس بزشكيان) بينهم عدد من القيادات العسكرية والسياسية العليا بالإضافة إلى 165 من فتيات المدارس الصغيرات فى مدرسة «شجرة طيبة» فى مدينة ميناب بجنوب إيران.
• • •
يصف المؤرخ الأمريكى Toby Jones هذه الحرب فى حوارٍ مع موقع Democracy Now يوم 5 مايو 2026 بأنها حربٌ غير مبررة، تكشف حدود القوة الإمبريالية الأمريكية وتجعل الولايات المتحدة فى وضعٍ استرتيجى أكثر هشاشة وضعفًا على المستوى العالمى.
بينما يوضح جوزيف كابيتزى أستاذ اللاهوت الأخلاقى فى الجامعة الكاثوليكية بالولايات المتحدة الأمريكية أن البابا لاون يرفض تلك اللغة العدوانية للرئيس ترامب التى تتوعد بإِمْطَار الإيرانيين بالموت والخراب دون رحمة، لأنها لغة تصدر عن غريزة الهيمنة التى يسميها القديس أوغسطينوس libido dominandi. وهى الغريزة التى تمتلك قلب الإنسان وتدعوه للسيطرة والهيمنة على الآخرين لبناء ملكوت الذات البشرية فى تحدٍ وتمرد على ملكوت الله. وهى بالضرورة بعيدة تمامًا عن تعاليم المسيح الذى جَسَّدَ لحظة إنتصاره الأخلاقى الحاسم بالموت على الصليب من أجل خلاص الإنسان.
ويحاول هربرت دين عبر صفحات طويلة فى كتابه The Political and Social Ideas of St. Augustine، أن يصيغ فهمًا واضحًا لذلك المفهوم المراوغ الذى ابتدعه القديس أوغسطينوس فى القرن الخامس الميلادى ليقنع المسيحيين أن آية: «لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيسر فحول له الآخر أيضًا» لا تعنى أن المسيحى مكلفٌ بالإمتناع عن المشاركة فى الحروب بين الدول كجندى صالح فى خدمة الوطن؛ حيث إن أوغسطينوس فى مواجهته لمفهوم «المسالمة المسيحية» Christian Pacifism طرح مفهومه المضاد عن «الحرب العادلة»، والذى ينقسم إلى مُكَوِّنَيْنِ: التسويغ الأخلاقى والقانونى لإعلان الحرب ثم الضوابط الأخلاقية والقانونية لممارسة الحرب ــ راجع مقال Practical Just War: St. Augustine & His Framing of Just War Theory Discentes, 13 October 2024] [. ويدخل تحت المكون الأول تبريرات الدولة لإعلان الحرب مثل الدفاع عن النفس وتصحيح أوضاع خاطئة أُرْتُكِبَتْ فى حق الدولة المعنية أو فى حق القانون الدولى، بينما يُعْنَى المكون الثانى برصد كل الممارسات الخاطئة والمنافية للقانون الدولى التى يتم إرتكابها فى أثناء الحرب.
ويختتم هربرت دين فى كتابه المذكور أعلاه الذى يتناول بالدراسة الفكر السياسى والإجتماعى للقديس أوغسطينوس الفصل الخامس المعنون «الحرب والعلاقات بين الدول» بهذه الكلمات: «يفضل أوغسطينوس عالمًا من الدول الصغيرة التى تكتفى كلٌ منها بما أتيح لها من أراضٍ وقوة محدودتين بما يضمن أن يعيش الجميع فى تناغمٍ وسلام وبلا حروب. ومالم تستفز الأعمال «الجائرة» لجيران الإمبراطورية الرومانية قادتها فجعلتهم يدخلون حروبهم «العادلة» ضد هؤلاء الجيران وبالتالى تتسع إمبراطوريتهم العظيمة، فإن الأمور البشرية كانت لتبدو أكثر سعادة. حيث تكتفى هذه الدول والممالك الصغيرة بالعيش فى وئامٍ مع جيرانها، ويتجاور العديد من الممالك والأمم فى عالمٍ واحد يسوده السلام كما يتجاور العديد من الأسر والبشر فى مساكن متلاصقة فى مدينة واحدة.. وهو الحال الذى يمكن حدوثه حين تغيب تلك النزعة البشرية والشهوة المريضة التى سيطرت على القادة الرومانيين وهى غريزة التحكم والسيطرة واسترقاق الآخرين التى دعتهم لحكم العالم؛ حيث إن تكلفة التوسع العظيم للإمبراطورية الرومانية كان الصراع المستمر وسفك الدماء والحياة القلقة المضطربة التى سادت العالم. فإن هذا العالم المضطرب كان سوف يحيا فى ظروفٍ أكثر استقرارًا وسعادة لو لم تنمو الإمبراطورية الرومانية إلى هذا الحجم الهائل».
بينما فى عصرنا الحالى الذى ما زال يعانى من غريزة التحكم والسيطرة وحيث تبدو الولايات المتحدة الأمريكية وقد بلغت ذروة تفردها وهيمنتها الأحادية على عالمٍ مضطرب مختنق بالصراعات، تسعى الصين ووسيطها الباكستانى باستخدام حكمتهما الآسيوية والرغبة الصينية الدءوبة فى صناعة نظامٍ عالمى جديد أكثر عدلًا وتوازنًا، أن يُخْرِجَا الطرفين المُتَصَارِعَيْن فى حلبة الشرق الأوسط؛ حيث نصف الاحتياطات المؤكدة من النفط ونحو 40% من احتياطات الغاز الطبيعى على مستوى العالم ــ بما يحفظ ماء الوجه ــ من «لحظة هرمز» الخانقة!!
باحث بمعهد التخطيط القومى (سابقا)