لعلها أفضل حكاية كتبها مؤلفها على الإطلاق، جوهرة صغيرة تجمع بين جمال القص والحودايت، ومتعة اكتشاف الغريب والاستثنائى، وبراعة وعمق البساطة الآسرة.
لا أتحفظ فى هذا الحكم على نوفيلا بديعة بعنوان «حامل مفتاح المدينة»، صادرة عن دار الشروق لمؤلفها الطبيب والروائى المصرى المقيم فى نيويورك أسامة علّام، ذلك أننى قرأت معظم ما كتب، وكان اكتشافى لأعماله من خلال روايته الفريدة «الاختفاء الغريب رجل مدهش»، التى كتبتُ عنها بحماس منذ سنوات، ولكن «حامل مفتاح المدينة» تمتلك كل معالم كتابات أسامة علام ناضجة ومحكمة، واقعًا وخيالًا، وفكرًا وفنًا.
ما لفتنى إلى كتابات علّام استفادته من تجربته الإنسانية، ونحتها فى صورة حكايات وشخصيات، متعددة الجنسيات والألوان والديانات، دون أن تفقد سماتها الإنسانية المرهفة، مع الاستفادة دومًا من تقنيات كثيرة متداخلة، من الغرابة والسيريالية وصولًا إلى الواقعية السحرية، ومن دون أن تفقد الحكاية الأرض التى تقف عليها.. لا نفتقد الجغرافيا، ولا المكان، ولا الزمان، وإنما نراها بعدسة واسعة للغاية، محبة ومتعاطفة، عميقة ومتأملة.
لم أندهش عندما عرفت أن أسامة علّام صديق لمحمد المخزنجى، لعل القاص الكبير شعر بالونس مع الروائى المغترب، أو لعل أسامة استزاد من رهافة المخزنجى، ولكن بين عالمى الرجلين صلات قوية للغاية، ولا ننسى أن المخزنجى طبيب عرف الاغتراب، وشاهد بشرًا سعداء وتعساء من كل الجنسيات، وبعشرات الألسنة.
أما تجربة علّام فهى أيضًا مرّكبة: درس الطب فى مصر وفرنسا، وهاجر ليعمل طبيبا بشريا فى كندا، ثم أصبح طبيبا بيطريا، وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة، ليقيم فى المدينة/التفاحة «نيويورك»، مدينة المال والمهاجرين وتمثال الحرية، وهناك تدور أيضًا وقائع النوفيلا الجديدة.
يقدم علّام بطله الطبيب البيطرى المصرى شهاب منير كرجل وحيد استأجر شقة صغيرة، يعيش حياة روتينية من العيادة إلى البيت، وبالعكس، حتى يكتشف فى السطور الأول أمرًا خارقًا يغيّر حياته، ويفتح أمامه عالمًا غرائبيًا يتورط فيه حتى النهاية، فقد اكتشف أن مفتاح شقته يمكنه أن يفتح أبواب المدينة كلها، بدأ الأمر بتجربة طفولية، ثم تأكدت القدرة الاستثنائية للمفتاح العجيب.
الأمر يتم سرده بشكلٍ طبيعى للغاية، وبأبسط طريقة ممكنة، والمفتاح هنا أداة حقيقية لفتح الأبواب، ولكنه مدخل لسرد حكايات متداخلة لشخصيات عجيبة، أى أننا أمام نوفيلا تفتح على قصص قصيرة، تعود بدورها لتأتلف فى إطار حبكة روائية محكمة، حافلة بالمفاجآت، وعبر فصول قصيرة متتالية، منحت السرد حيوية بالغة، وجعلتنا نلهث لاكتشاف العالم الذى تورط فيه شهاب منير.
بناء ذكى يقوم على فكرة بسيطة، ولكنها تفتح على تقنيات واسعة، فمن ناحية، لن تفقد الشخصيات والأماكن المعاصرة واقعيتها أبدًا، نحن هنا والآن فى نيويورك الكوزموبوليتانية، والطبيب مهاجر مغترب لا يكتشف فحسب أحشاء المدينة عبر مفتاحه العجيب، ولكنه أيضًا يتحدث عن الحيوانات التى يعالجها.
ورغم هذه الأرضية الواقعية، إلا أن الأحداث غريبة بداية من اكتشاف إمكانيات المفتاح، وصولًا إلى الشخصيات وحكاياتها، وليس انتهاء بما يتراءى لشهاب من أحلام أو تهويمات أو خيالات.
ورغم أن المفتاح أداة واقعية، فإنه سرعان ما يكتسب هالة أسطورية ورمزية، إذ سيكون وسيلة اكتشاف المدينة؛ إنسانًا وحيوانًا وألوانًا وحكاياتٍ ووسيلةً، فى تطوير جديد أكثر ذكاء، لكى يكتشف شهاب نفسه، وحدته واغترابه، وقدراته وميوله المنسية؛ أى أن المفتاح هنا وسيلة لمعرفة الذات والآخر، ووسيلة للتعلّم المستمر والحقيقى.
فى انتقاء الشخصيات، يعود علّام إلى لعبته القديمة: طوفان من الجنسيات والأديان والمهن التى اجتمعت فى نيويورك، لا تغيب هويتها الأصلية، ولكن الهدف هو البحث عن جوهر إنسانيتها.
هكذا ننتقل بين أنطوان وأنطوانيت من روسيا، وصولًا إلى حكاية ميتريتو وأمه وجده وزوج أمه السورى نزار، مثلما نتتقل بين شقة امرأة عجوز وحيدة تعلّق خطابات عشاقها على الجدران، وبدروم الشقة الذى يعيش فيه مشرّد منسى، وصولًا إلى عالم السيرك، الذى يجد فيه شهاب نفسه، ينقذ أنثى الأسد من الموت أثناء الولادة، وينقذ أرواح أشبالها، ويقبل أن يجرّب أن يقدم عرضًا كمساعد مهرّج، فيعرف سعادة لم يعرفها من قبل.
تحضر الهويات المختلفة وكأننا فى برج بابل، ولكن هذا الحضور سرعان ما ينمحى بصنعة فن، إذ تذوب الخطوط والحواجز بين الشخصيات، عندما نكتشف أن جوهر الإنسان واحد، وآلامه وسعادته ودموعه وابتساماته مشتركة، أى أن الاختلاف والموزاييك الهائل، يعيدنا من جديد إلى الوحدة، عندما ننظر إلى الصورة من زاوية أبعد، وبطريقة أعمق.
تذوب الفواصل بين طبيب بيطرى مصرى، وسائق بنجلاديشى، ومشرد ولد فى كولومبيا من أب مكسيكى وأم إيطالية وربّاه تاجر سورى، مثلما تذوب الفواصل بين الطبيب البيطرى ومالك السيرك العجوز، والمرأة الوحيدة التى تعيش على ذاكرة العشق والعشاق، وصديقه فنان الماريونيت العظيم أنطوان، وزوجته أنطوانيت.
ليس مفاجئًا -إذن- أن يكون اسم «ميتريتو» بالإسبانية معناه «شهاب» بالعربية، وأن يتعلّم الرجل العربية، وينشد أشعار ابن عربى. تقودنا الغرابة إلى الإنسان «الطبيعى» فى نقائه وبساطته وفطرته، فى بحثه عمن يساعده وينقذه، ويتسع الأمر للحيوان أيضًا.
وبينما تبدو الحكايات الطريفة منفصلة ومتباعدة، نكتشف -فى النهاية- أن بينها صلات عجيبة، ولكننا لم نكن نراها، ونكتشف أيضًا أن رحلة شهاب منير هى رحلة معرفية بالأساس.
كان عالمه محدودًا فصار واسعًا، كان يصدّق الأمور كما تبدو من السطح، فاكتشف أنها أكثر تعقيدًا، وأن هناك حكايات أهم فى الأعماق، ظنّ أن الأبواب تخفى شخصيات وأثاثًا، فاكتشف أن وراء كل باب يفتحه المفتاح عالمٌ بأكمله، تصّور أن الحكايات منفصلة، فاكتشف الخيوط القوية بين كل قصة.
تعلّم شهاب أن يكتشف السعادة البسيطة، أن يتقبل العالم حزنًا وفرحًا، وأن يعيش الحياة كما هى بدلًا من أن يفهمها، وتعلّم أن حياته لا معنى لها سوى بمرور الآخرين فيها.
اكتشف شهاب مفتاح الحياة، وليس مفتاح المدينة وحدها.