أحبُّ كتب الرحلات، خاصة تلك الكتب التى يسردها روائيون، هنا لا يقتصر الأمر فقط على المعلومات والتفاصيل، ولكنه يتضمن أيضًا متع السرد مثل التشويق، والبناء المتماسك، وبراعة رسم الشخصيات، وطرافة الحوار، وحضور ذات المؤلف، فكأن الرحلة فى داخله، بقدر ما هى فى الدولة التى يزورها.
وهذا كتاب رحلات بديع صدر عن دار العربى بعنوان «رحلتى إلى كوريا الشمالية»، من تأليف الروائى البرتغالى جوزيه لويس بايشوتو، ومن ترجمة سارة ساطور، يروى فيه المؤلف وقائع رحلته إلى كوريا الشمالية فى العام 2012، وهى الدولة الأكثر عزلة فى العالم.
ورغم غرابة الرحلة ومسارها، فإن الكتاب يتجاوز مجرد التسجيل، ويأخذ شكل السرد المشوّق، فكأنها رواية واقعية مثيرة، لمكان مغلق ومعزول، أو كأننا فى زيارة إلى عالم «خارج الزمن».
بدلًا من الترتيب الزمنى للرحلة، يبدأ جوزيه من لحظة مشوقة فى نهاية رحلته إلى كوريا الشمالية، عندما اكتشف موظف الجمارك كاميرا التقط بها جوزيه بعض الصور، وكان من شروط رحلته السياحية أمران فى منتهى الغرابة، يؤكدان خصوصية المكان المعزول عن العالم: منع التصوير والتسجيل الصوتى، والتعهد بعدم كتابة حرف واحد عن الرحلة بعد الرجوع إلى البرتغال!
يتركنا المؤلف فى لحظة توتر وخوف من رد فعل موظف الجوازات، ليعود بنا فى «فلاش باك» طويل عن فكرة الرحلة وتفاصيلها، التى نشأت أثناء زيارة المؤلف لمدينة لوس أنجلوس الأمريكية، ومشاهدته للحى الكورى فى المدينة، وفضوله الكبير للتعرف على المجتمع الكورى، وخصوصًا فى كوريا الشمالية المنعزلة، والتى تمتلك نظامًا سياسيا خاصا وفريدًا.
السؤال الذى كان يبحث جوزيه عن إجابته هو: كيف يمكن أن يعيش الناس فى مجتمع خارج العالم تقريبًا؟ وطوال الوقت كان يكرِّر أنه ضد الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، ولكنه لا يعرفها من الداخل، ومنذ تواصله مع إحدى شركات السياحة الصينية لتنظيم رحلة إلى كوريا الشمالية، بدأت وقائع المغامرة المثيرة.
كانت الرحلة فى مناسبة مرور مائة عام على مولد الرئيس المؤسس الراحل كيم أيل سونج، ومرور 70 عامًا على مولد ابنه وخليفته كيم جونج إيل، وفى أثناء انتظار بدء الرحلة، توفى الرئيس كيم جونج إيل، وتولّى ابنه كيم جونج أون، مما استدعى التأجيل، ولكن الرحلة تمت أخيرًا بتنظيم صارم، وبشروط غريبة.
بالإضافة إلى منع التصوير، وعدم الكتابة، كان ممنوعًا اصطحاب أى كتب، ولكن جوزيه نجح فى تهريب رواية «دون كيخوته» داخل شنطته، أما أجهزة الموبايل فكان يتم تسليمها للسلطات، على أن يتسلّمها الزائر عند المغادرة، ويمكن إجراء محادثات هاتفية، ولكن عبر الفندق، ومقابل رسوم محددة.
لن يكون منهج الكتاب مجرد الوصف الحى الذى لا يترك لونًا أو رائحة أو حركة، لأننا - أولًا وأخيرًا - أمام روائى ممتاز، ولكن جوزيه وعالمه الداخلى وقراءاته وتأملاته وتعليقاته حاضرة أيضًا طوال الوقت، ولمساته الإنسانية تمنح السرد حيوية فائقة، إنه مثلًا يتذكر أمه وأخته وولديه، ويتحدث عن مشاعره عندما سمع صوت ابنه فى التليفون، وحواره معه عن ألعاب الكمبيوتر، ونراه فى موقفٍ آخر وهو يتأمل كرة أرضية وجدها فى إحدى المدارس، فأخذ يبحث فيها عن بلده البرتغال.
وهكذا يبدو النصّ كله مثل رحلة بين داخل المؤلف وخارجه، بين ذات قلقة مغتربة تشعر بالحنين، وعين يقظة تتأمل بدهشة عالمًا مراقبًا ومعزولًا تمامًا، كل شىء فيه مبرمج ومرتب ومصنوع، وصور الجد والأب والحفيد، حكّام الدولة، ومقولاتهم وصورهم وتماثيلهم أيضًا فى كل موقع ومكان: فوق الجبل، وداخل كل منزل، وفى المدارس، وطبعا فى المناسبات والاحتفالات.
بالإضافة إلى الوصف واللقاءات الحية، هناك شخصية المترجمة والمترجم المرافقان، والاثنان اسمهما كيم، إنهما يقودان المجموعة السياحية إلى كل مكان، ويترجمان بدقة، وبطريقةٍ درامية معبرة، ويحذران من التصوير أو الكتابة.
ولكن ذاكرة جوزيه تختزن كل شىء، وتدرك الفارق الهائل بين العاصمة «بيونج يانج»، وبين حياة المزارعين والعمال فى القرى والمدن البعيدة، كما أن تلك الذاكرة تنقل ما تراه على الحدود بين كوريا الشمالية والجنوبية، والمنطقة منزوعة السلاح.
المؤلف يقارن كذلك بين كتبٍ قرأها، وبين ما يراه، فليس من قرأ وسمع كمن رأى، إنه يختنق بالقيود على حركته وتصرفاته، إلى حد اعتبر فيه أن الحرية هى أن يعود إلى الصين، وهو يرى أن الفكرة القومية، وليست الأيديولوجية الشيوعية الستالينية، هى جوهر هذا النظام الصارم، وهو يحاول أن يكتشف البشر طوال الوقت، رغم إدراكه للمراسم والأفكار التى تبدو حاضرة طوال الوقت، يبحث عن لوحة حرّة لا تمجد الزعماء أو المناضلين ضد الاحتلال اليابانى، ويفضل أغنية كاريوكى أحبها عن أوركسترا طويلة تمجد الثورة، ولا يجد حريته فى أى مكان مثل مدينة الملاهى التى استعاد فيها بهجة وسعادة اللعب والحركة. ودائمًا هناك نظرة أعمق وراء الصورة، يكتب - مثلًا - عندما زار بيتًا كوريّا عاديًا:
«لم يبدُ المنزل مسكونًا، لأنه تفوح منه رائحة الفراغ، لم يحتوِ على الدفء الذى اكتسبته الجدران فى بيت تعيش فيه أسرة، فى بيت يستيقظ فيه أحد كل يوم، فى البيوت التى تدب فيها الحياة، تتشبع الجدران برائحة الناس وحرارتهم».
تظهر أيضًا تعليقات الكاتب الساخرة فى وقتها وزمانها ومناسبتها:
«رأيتُ أيضًا بئرًا، قالت السيدة كيم: من يشرب من مائه سيحصل على روح قوية، وجدت الفكرة طريفة، فجرّبت الشرب منه، على الفور وجدت روحى تزداد قوة».
سيصبح ماء هذا البئر بعد ذلك سببًا فى تقلصات الأمعاء، وفى شعور جوزيه بالغثيان، ولكنها ليست آخر الغرائب فى بلد تصبح إحدى الصخور مزارًا سياحيّا، لأن الزعيم جلس عليها فى إحدى زياراته!
يمكن قراءة الكتاب الممتع أيضًا باعتباره أنشودة فى محبة الحرية والمعرفة المباشرة، وفى تحية قول «لاو تسى»: «المسافر الجيّد لا يضع خططًا ثابتة، ولا ينوى الوصول».
فالرحلات تأمّل واكتشاف دائمان وبلا ضفاف.