الفنان توفيق الحكيم - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 1 أغسطس 2026 8:40 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الفنان توفيق الحكيم

نشر فى : السبت 1 أغسطس 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : السبت 1 أغسطس 2026 - 7:15 م

كتبتُ كثيرًا عن توفيق الحكيم، وعن تأثير مسرحياته، وتحديدًا مسرحية «أهل الكهف»، على اتجاهى للأدب والفن، وذكرتُ نصًّا أنه لو كان هناك عمل واحد جعلنى مفتونا بالقراءة فى الأدب، فهذا العمل هو مسرحية «أهل الكهف» التى وقعت فى يدى وأنا أكتشف مكتبة أبى الكبيرة. كنت وقتها فى الصف الأول الإعدادى، تزعجنى رواية ساذجة مقررة، وتصيبنى بالملل دروس المطالعة الرشيدة!


قرأت وقتها «أهل الكهف» وعليها تعليقات كتبها أبى مدرّس الفلسفة، لم أستوعب طبعًا معنى مشكلة الزمن، وفكرة «الديمومة» عند برجسون، ولكنى فُتنت بالمسرحية وأحداثها، بالشخصيات وحيرتها، وبذلك التشكيل الفذ للقصة الدينية.


وفى المرحلة الثانوية، كنت أكثر نضجًا لكى أفهم بشكل أعمق مسرحية عظيمة من فصلٍ واحد للحكيم بعنوان «نهر الجنون»، كانت تزيّن كتاب النصوص للمستوى الخاص.


بدأتُ بعد ذلك قراءة منهجية لمعظم أعمال الحكيم، ولم أفتقد أبدًا فى كتاباته هذا الامتزاج بين الفن والفكر، فهو عندى «الفنان المفكر»، والفنان أولًا، لأنه لا معنى للمباشرة والصوت العالى، وركاكة البناء، حتى لو كنت تعبّر عن أكثر الأفكار عمقا وبراعة.


«الحكيم» هو من حسم صراع نجيب محفوظ الداخلى بين استكمال طريقه الأكاديمى فى تقديم أطروحة فى الفلسفة، وبين أن يكون أديبا وروائيا يطرح أفكاره عبر التشكيل الفنى لمادة الحياة، وقد ذكر نجيب صراحة أن قراءته للحكيم، وبالتحديد رواية «عودة الروح»، هى التى حسمت لديه هذا الصراع.


لا أحتاج إلى مناسبة للحديث عن الحكيم، ولكن هناك مناسبة جديدة وهى إعادة دار المعارف إصدار كتابٍ للحكيم فى سلسلة «اقرأ» بعنوان «من ذكريات الفن والقضاء» قرأته فى جلسة واحدة متصلة، دون توقف أو فواصل، مستمتعًا وضاحكًا بصوتٍ عالٍ فى أحيان كثيرة.


أرى فى هذا الكتاب الصغير ترجمة لما كتبته عن قدرة هذا الكاتب الاستثنائى على تحويل مادة الحياة الخشنة إلى فن ذكى وساخر، وبراعته فى اكتشاف المفارقة والتناقض فى قلب أكثر الطقوس تنظيما ومنطقية.


لا يقل هذا الكتاب عندى عن رواية الحكيم «يوميات نائب فى الأرياف»، والتى تمثّل ذاكرة شخصية لسنوات عمله كوكيل للنائب العام، فى الكتاب نفس البطل المغترب عن وظيفته الشاقة، بينما يبدو هو فنانا رقيقا حالما متألما، لذلك يستمر الصراع بين واقع الحياة الخشنة، الحافلة بالتحقيقات والجرائم، وبين طموح وكيل النيابة إلى الخلاص والهروب إلى عالم الفن والأدب، ثم يتحقق نوع من التصالح بالكتابة، ذلك أن وكيل النيابة الفنان يقرِّر أن ينحت من تناقضات هذه الحياة الشاقة الخشنة أدبًا مدهشا، تماما مثلما يجد النحّات الموهوب حجرًا صلبًا، فيشكِّله تمثالًا جميلًا، وينقله من علم الجيولوجيا، إلى علم الجمال.


أول ما يُلاحظ فى هذه الذكريات أنها تبرز روح الحكيم الساخرة، التى تبدو فطرية ومصقولة معا، بمعنى أنه ولد حاضر البديهة، وقادرا على أن يضع يده على أماكن المفارقة والتناقض، ولكنها أيضًا سخرية مصقولة وعميقة، تذكرنا بتقنيات السخرية لدى كبار الأدباء الساخرين، فالأمر هنا ليس مجرد «إيفيهات» سريعة، ولكنه بناء متكامل يتشكّل حجرًا حجرًا، ولا يمكن أن تنزع منه فقرة، السخرية عند الحكيم «تُبنى هندسيًّا» إذا جاز التعبير، وعلى مهل، وتعبّر بوضوح عن خلل منطقى فادح يستحق التفكير والتأمل.


واقعية ذكريات الفن والقضاء، لم تجعل الحكيم يهمل البناء، هو واع طوال الوقت أن تشكيل المادة فنيا هو الأساس، رغم طرافة وظرف الشخصيات والمواقف فى ذاتها، وهو يقول صراحة إنه كان يسرح متأملا أثناء نظر القضايا فى المحكمة، لكى يكتشف ما يصلح أن يكون فنا فى هذا العالم الغريب عن طبيعته، وفى تلك المهنة الشاقة والروتينية، وكان يجد دوما مادة يمكن كتابتها.


ملاحظة أخرى مهمة: يبدو لى أن الحكيم كسارد لا يقل أبدًا عن عظمته كأستاذ للحوار المسرحى، كان يقول أحيانًا إنه يفتقد القدرة على تقديم التفاصيل التى تميز السرد الروائى، ولكنى لا أتفق معه على الإطلاق.


لن أتحدث عن «عودة الروح» الرواية المؤسسة العظيمة، التى لم تفقد أهميتها لا شكلًا ولا مضمونًا، ولكنى أتحدث عن كتابٍ لا يذكر كثيرًا مثل «من ذكريات الفن والقضاء»، وأزعم أن حكايات الحكيم فى هذا الكتاب كان يمكن أن تؤلِّف رواية لا تقل أهمية ولا إمتاعًا عن أعماله السردية الكبرى.


النماذج كثيرة ومدهشة فى الكتاب: يحكى مثلًا فى لوحة طويلة عن لعبة القط والفأر بينه وبين رئيس النيابة الذى كان لا يتركه ليستريح، ويصفه بأنه رجل ليس له فى الدنيا غير هوايتين: تدخين الشيشة، وأذيّة الغير، وبناء النص من أوله إلى آخره قائم على هذا الصراع، وعلى إحساس الحكيم وكيل النيابة أنه سجين وأسير، ثم يتطوّر الموقف إلى لقاء الحكيم بممثل كان صديقا قديما، جاء ليزور البندر مقدما عرضا مسرحيا، ويتطور مرة أخرى بنسيان الحكيم لوظيفته وهو يستمع إلى ذكريات الفنان المسرحى، ثم يحدث ما هو أغرب: يتداخل واقع الحكيم المطارد من رئيسه، مع لعبة الفنان المسرحى الذى يمثل مع الحكيم لتضليل رئيس النيابة، وإقناعه أن هذا الفنان هو وزير العدل الجديد!


تسرى ثنائية الفن والواقع عبر النصوص كلها، وكيل النيابة مثلًا يعيد «تمثيل» جريمة لم يقتنع بشهودها، ويرى فى شتائم متهمة سليطة اللسان عرضا فنيا مبتكرا يبعده عن أوراق القضية ومواد القانون، وعندما يقيم فى راس البر، يصنع ما يشبه العرض المسرحى الواقعى، حيث يحضر له العساكر أوراق القضايا أمام البحر، ثم يُحضرون إليه المتهمين أنفسهم، ويشعر الجميع بالسعادة لأنهم هربوا من قيظ الصيف إلى البلاج!


يهرب وكيل النيابة إلى اكتشاف كعك العيد، مثلما تتحوّل جلسة محاكمة إلى حوارات فكاهية مع القاضى، لأن المتهم كان صانعا لصوانى النحاس، بينما كان وكيل النيابة والقاضى يبحثان عن صينية طعام مناسبة!


ما زلت أكتشف الحكيم العظيم، وأدعوكم مثلى لاكتشافه من جديد.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات