كتبتُ كثيرًا عن خصوصية فن القصة القصيرة، وبنائها، ولغتها، فما زلتُ أعتبرها من أهم فنون السرد، وأكثرها اقترابًا من لغة الشعر، بتكثيفها، وبذلك الأثر الواحد الذى تتركه فى نفس قارئها، وببنائها الفنى المحكم، وبالتالى فهى لا تمتلك فقط القدرة على محاكاة الواقع، ولكنها تستطيع أيضًا أن تصنع عالما خياليا وشاعريا موازيا.
وهذه المجموعة القصصية الصادرة عن دار روافد بعنوان «ظلال نزقة» لمؤلفها الروائى والقاص العراقى حسين السكّاف، تترجم تلك الثنائية بين الواقع الخشن، والخيال المحلّق، واللغة الشاعرية، بأفضل صورة ممكنة، ليس من باب الاستعراض الحرفى، أو بإرادة مفتعلة لجعل الحكايات شاعرية، ولكن لأن الحالة فرضت نفسها، وخلقت شكلها، ولأن تجربة الكاتب تترجم هذا المزيج بين واقع شديد القسوة، وخيال وأحلام تريد أن تحقق التوازن، لكى تصبح الحياة محتملة.
السكّاف فاز بجائزة كتارا للرواية العربية، عن روايته «وجوه لتمثال زائف»، وهو حكاء بارع، يبدو لى أنه متأثر تمامًا بحكى «ألف ليلة وليلة»، والذى لو تأملناه، لوجدناه أيضًا محاولة لتحقيق التوازن بين الواقع الكابوسى، والخيال المنطلق، وليس أدل على ذلك من أن «شهرزاد»، ساردة الليالى، كانت تحكى وتحلم وتتخيل تحت المقصلة، فكأن الواقع الفظ أنتج رقة الحكايات، وبهجة الحياة، ولذة الونس، وهذا العالم الموازى الكبير من الفانتازيا.
تتضح تلك الثنائية، بتنويعاتٍ مختلفة، فى قصص المجموعة، بل إنها تبدأ من عنوانها الذى يمكن أن يصبح عنوانًا لديوان شعر: «الظلال هى خيالات الأجسام»، فهى من ناحية ملهمة بشكل مواز، ولكنها أيضًا انعكاسٌ للواقع، وأن تكون الظلال نزقة، فنحن منذ العنوان أمام تمرد للصورة على أصلها، ومحاولة للهروب والخروج من تلك الدائرة المغلقة، وسنجد، ربما دون قصد أو ترتيب، أن معظم الشخصيات تريد التمرد، وتبتكر طرقا وأساليب، لتخرج من الطين إلى عوالم الخيال والأحلام الملوّنة.
هذا نزق لا بديل عنه بعد أن ضاقت الأرض، وبعد أن هوَت نخلة الوطن العظيمة، نخلة عمرها من عمر جلجامش، أو نبوخذ نصر، أو السياب، إلى الأرض الرطبة. العراق كفردوس مفقود حاضرٌ تمامًا فى حكايات السكّاف، والذى يعيش منذ سنوات طويلة فى الدنمارك، ولكن الحضور هنا لا يأتى صريحًا، وإنما عبر واقع خشن حينا، أو عبر معادل شاعرى وأسطورى وخيالى أحيانًا، وفى الحالتين فإن الخيال يوازن الصورة، مثلما ينقذ النزق والجنون والتمرد إنسانية الإنسان المسحوقة.
حلّت طريقة سرد «ألف ليلة وليلة» مشكلات فنية كثيرة، لا أتحدث فقط عن العودة إلى جوهر الحكاية البسيطة والغريبة معًا، ولكن أيضًا فى الإطار الشاعرى لكثير من القصص، والتى كان يمكن أن تصبح مباشرة وصادمة لو لم ترو بتلك الطريقة الحميمة والمؤثرة.
حتى فى ما يشبه المقدمة، نجد أربع صور مكتوبة فى سطور قليلة، أقرب ما تكون إلى الشعر الحر، فيها مزيج من مرارة الواقع، ورقة الخيال، حيث تجتمع العصافير، مع الرأس المعلّق بمسمار، وحيث مواطن اسمه «بسيط عرقان» رسم على جدار روحه، باب أحلامه، منتظرًا أن يُفتح الباب، فيخرج مودّعًا زنزانة بصورة وطن، وحيث يرقص الزمن بلا مبالاة أمام أحزان الثكالى.
هنا صراع مستمر بين الحياة فى تفاصيلها، والخيال فى نزقه وتمرده، وسيكون هذا الصراع هو جوهر معظم الحكايات، فمرة تنتصر قسوة الواقع، ومرة ينتصر الخيال، ولا انفصال بين الاثنين، فعلُ ورد فعل، بلا نهاية، وبدون توقف.
هذا السندباد العاشق مثلًا، والذى تركته حبيبته، رفض تناول دواء الاكتئاب، واختار أن يتحرر بالموت، وهذا مطرب الشمس الحزين يبقى شاهدًا على مصرع النخيل، تاركًا نغمات الأنين، لأن «كل الصور الجميلة شوّهت، حتى النخيل صار مشاريع موت».
وهذان روحان يشعران بالوحدة فى نفس البناية، امرأة ورجل يتتبعان رائحة العطر، ولكننا نكتشف أن ليس ثمة عطر إلا عطر الوحدة، هو الذى جمع بينهما، هذه القصة البديعة تمثل انتصارا كاملا للخيال فى مواجهة العادى والمألوف والمفروض.
يعود الواقع الشرس قويا ومهيمنا عبر حكايتين فى قصة واحدة: سائق تاكسى كان أستاذًا جامعيًا، وضعت فى سيارته عبوة ناسفة، فأصبح متهمًا بقتل الأبرياء، وشاب تورط فى حادث عبثى، قتلت فيه حبيبته، وجهان بائسان لوطن كان آمنًا، فصار عنوانًا للفوضى وللقتل المجانى وللا معقول.
لا يفهم بطل إحدى القصص معنى أن تغزو بلده دولة مجاورة، خاصة إذا ارتبطت تلك الدولة بالقمر، ولا يمكن لمهاجر سورى أن يكتشف أن مأساة عدم قبول الآخر أقدم من حكايته، إلا عبر حيلة الخيال والأحلام، وبينما تصبح فرس الهايلة الطريقة الوحيدة للخروج من واقع مغلق ومحاصر، فإن حكاية مدينة المعبد تحلل بذكاء آليات خلق الأسطورة، وتقدم نفس المزيج بين الواقع والخيال، فى صراع مستمر، ودون هوادة.
فى حكاية «الفيروزة والبهية وسلوان» ما يعيدنا من جديد إلى نجاح الخيال فى مواجهة الظرف والحالة، بل ويبدو كما لو أن الواقع غير جدير بهذه الشخصيات الحالمة، التى تواجه عالمها المحدود، بكل إيمان وجسارة.
وفى قصة ذلك الروائى، الذى كان كاتبًا فاشلًا للعرائض والشكاوى، نلمح هذه الرغبة العارمة فى استلهام الواقع، ولكن بتحويله إلى واقع مواز بالكامل، مجرد سلوى مؤقتة لشخص ظن نفسه كاتبا لأعظم رواية، تجربة فيها الكثير من النزق، مثلما أخبرنا عنوان المجموعة، ولكن الواقع يعود لكى يسحق كاتب العرائض، ويحذفه من قائمة الوجود.
إلى حد كبير انضبطت عناصر هذا المزيج، باستثناءات قليلة منها قصة «الشيخ والمريد»، التى تحولت إلى مناظرة أفكار مجردة، وليس لعبة حكايات، ومثل قصة «خيانة برىء.. الشاهدة»، بحبكتها الميلودرامية المباشرة، وببنائها الذى يجعلها أقرب إلى مخطط أو مشروع رواية طويلة.
يصبح السكّاف فى أفضل حالاته السردية عندما ينطلق إلى عوالم تحاكى «ألف ليلة»، ولكن عبر تفاصيل الوطن ورموزه وأساطيره، فتتصالح الظلال مع نزقها، وتصبح الحكايات قصائد، منسوجة من نخيل وعصافير.