(1)
عشاق الراديو والنوستالجيا الحميمة التى تتضاعف وتتنامى كلما تقدمنا فى العمر، يعودون بذاكرتهم بشكل متكرر ودورى إلى ما اتصلوا به فى سنى عمرهم المبكرة من مواد إذاعية؛ كل حسب ما يستهويه أو أولع به فى ذلك الزمان؛ دراما برامج ثقافية، دينية.. كل سيجد بغيته ويجد ما يعشقه، وما يسطر به ذكرياته الأولى فى العمر..
وأذكر أننى قد استمعت لتسجيلاتٍ نادرة بل شديدة الندرة للإذاعى الكبير والقدير الراحل فاروق شوشة؛ كانت تتضمن بعض حلقات من برنامج (مع الأدباء) الذى كان يعده ويقدمه لإذاعة البرنامج الثانى -آنذاك- (الذى سيعرف باسم البرنامج الثقافى بعد ذلك).
خلال الفترة من 1959 حتى 1965 تقريبا أنجز الراحل فاروق شوشة سلسلة من الحوارات مع نجوم الأدباء وكبار الكتاب وألمع العقول المصرية والعربية فى تلك الفترة! حاور شوشة كلا من: نجيب محفوظ، شاعر العربية الأكبر صلاح عبد الصبور، شيخ النقاد وكبيرهم محمد مندور، الشاعر الكلاسيكى عزيز أباظة، الأديب الرهيف صاحب الكلمة والموقف يحيى حقى، ولو أكملت السلسلة لاستغرقت المقال كله وربما الذى يليه!
ولأن فاروق شوشة لم يكن فقط شاعرا كبيرا وإذاعيا لامعا بل كان مثقفا رفيعا واسع الثقافة رصين الفكر، يتمتع بحاسة «توثيقية» عالية فقد قام مشكورا -رحمه الله - بحفظ هذه الحوارات أو أغلبها بعد إعدادها وتحريرها وتهيئتها للنشر فى واحدة من أشهر وأعرق وأهم مجلاتنا الأدبية والثقافية فى تلك الفترة.
قصة هذا البرنامج، وقصة الحوار الأول منه بالتحديد الذى أعده فاروق شوشة، قصة مثيرة وتفاصيلها كلها مدهشة! لحضراتكم أن تتخيلوا مدى الجسارة التى يمتلكها مذيع شاب فى الثالثة والعشرين من عمره، حديث الالتحاق بالإذاعة المصرية فى وقتِ حشدها بكبار الأساتذة من الرواد وكبار الإذاعيين وكبار الكبار فى كل المجالات!
(2)
كان البرنامج الثانى لإذاعة القاهرة (البرنامج الثقافى الآن) قد شق طريقه عبر الأثير منذ عام 1957، وأتيحت له موجة قوية حملت صوته القوى إلى بقاع شتى من الوطن العربى، وبدا صوت مصر الثقافى (بتعبير فاروق شوشة نفسه) الذى تأكد طويلا بفضل «الصحيفة» و«المجلة» و«الكتاب»، وانتشرت أصداؤه فى كل مكان من العالم العربى، يجد من خلال هذه الخدمة الإذاعية النوعية، ومن ثورة الاتصال الهائلة التى أحدثها اختراع الراديو «الترانزستور» وسيلة أكثر سرعة ونفاذا وأقدر على اختراق الحواجز والأسوار والسدود إلى عقول المستمعين ووجداناتهم.
هذه اللحظة كان فاروق شوشة شاهدا عليها وجزءًا منها بعد أن انضم إلى هذه الإذاعة بعد عامين فقط من تأسيسها، وقد كان الإعلامى الرائد سعد لبيب الذى أشرف على إنشاء البرنامج الثانى (الثقافى)، وإدارته والتخطيط له، ووضع أولى خرائطه الإذاعية، كان يحتذى أو يستلهم تجربة «البرنامج الثالث» فى بريطانيا، يعاونه فى ذلك كتيبة من ألمع الإذاعيين؛ ثقافة وموهبة وإيمانا برسالة هذه الإذاعة الثقافية الوليدة.
بفضل هذا الحماس والإخلاص، كما يقول شوشة، نجحت الإذاعة الوليدة أن تكون بعد عامين اثنين فقط ذات تأثير واسع وعميق، كان سعد لبيب موهوبا فى التقاط الأفكار الجديدة والنسج على غير مثال سابق، وإفساح المجال أمام المبادرات الذكية واختيار العناصر الصالحة للعمل معه، فنجح نجاحا مذهلا فى أن يجعل من البرنامج الثانى ورشة عمل إذاعية تضج بالحياة والفكر والتعاون والتكامل وتنفتح على كل جديد
ويروى شوشة عن تلك الفترة يقول:
«بدأت التفكير فى الحلقة الأولى من البرنامج، لم يتدخل سعد لبيب (رئيس إذاعة البرنامج الثانى أو الثقافى) - كعادته - فى اقتراح أسماء معينة أو محاولة فرض اختيار معين، كانت أسماء الأدب تزدحم بالعديد من النجوم والكواكب الساطعة: طه حسين، والعقاد، والحكيم، وتيمور، ويحيى حقى، وعزيز أباظة، ومحمد عبد الحليم عبد الله وبنت الشاطئ، وسهير القلماوى، وأحمد حسن الزيات، ومحمد مندور، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعى، وغيرهم.
غير أنى آثرت أن تكون البداية غير تقليدية، وأن أستجيب فى اختيارى لصوت العقل والقلب الذى كان يرى فى كتابات نجيب محفوظ حتى ذلك الحين شيئًا جديدًا ومذاقًا مغايرًا.
(3)
وهكذا ولدت الحلقة الأولى من برنامج (مع الأدباء) التى أذيعت فى صيف العام 1959، وفيها تحدث نجيب محفوظ فى كل شىء، كان نجيب محفوظ فى الـ 48 من عمره، فى قمة شبابه وحيويته وتألقه..
ولا بد هنا من إثبات حقيقة مهمة، أوردها شوشة فى روايته تلك، وهى أن إجابات نجيب محفوظ فى هذه الحلقة الأولى للمذيع الشاب الذى لم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين من العمر، قد تحولت إلى مصدر أساسى للعديد من النقاد والدارسين، بعد أن نُشرت كاملة فى مجلة (الآداب البيروتية) التى كانت فى ذلك الوقت المجلة الأدبية الأولى فى العالم العربى.. كما نشرت بعدها الحلقات الأخرى التى تم تسجيلها مع عادل كامل، ويحيى حقى، ومحمود تيمور، وعبد الحليم عبد الله، وأحمد حسن الزيات، وصلاح عبد الصبور، ومحمد مندور، وحسين فوزى، وغيرهم! (وللحديث بقية)