(1)
….. ونستكمل الحديث عن بعض إرث توفيق الحكيم خارج دائرة المسرح والرواية والقصة التى برع فيها وأثبت ريادته، وقدم منجزه الخالد كأب شرعى من آباء الأدب المعاصر، والأنواع الأدبية الحديثة، وبخاصة فن المسرح. كان الحديثُ عن براعة الحكيم فى كتابة المقال، وعن قدرته على رصد الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية من خلال الكتابة المقالية، وتوقفنا عند كتابه النادر «قلت ذات يوم»، وعرضنا لسياقه وموضوعاته، ومعالجاته الفذة، ووعدنا بعرض نموذج تحليلى لهذه المقالات لاستكشاف قدرة الحكيم الدقيقة على الرصد والربط بين العلل والظواهر، واستدعاء الوقائع والمرويات التراثية والتاريخية لإضاءة جوانب من مشكلات الحاضر وتحدياته، فى اللحظة التى كان يحرر فيها هذه المقالات.
بداية، أشير إلى أن معظم مقالات الكتاب ومحتواه (أقصد «قلت ذات يوم» الذى فصلنا الحديث عنه فى المقال الماضى) قد أُعيد تضمينها فى كتاب «يقظة الفكر» الذى صدر فى طبعات متعددة، أفضلها وأحسنها طبعة دار الشروق الأخيرة التى صدرت قبل سنوات قليلة.
تضمن هذا الكتاب أغلب مقالات كتاب «قلت ذات يوم»، ومن بينها المقالات المهمة التى أشرت إليها فى مقال الأسبوع الماضى عن «أزمة الفن القصصى فى القرآن الكريم»، وكذلك المقال المهم جدًا الذى أركز عليه فى هذا المقال، وهو بعنوان «الجاحظ ينظر إلينا».
كان الحكيم من قراء الأدب العربى القديم، وبخاصة النثر العربى، وتوقف طويلًا وكثيرًا أمام عبقرية الجاحظ ومؤلفاته التراثية ذائعة الصيت: «البخلاء»، «البيان والتبيين»، و«الحيوان»، وغير ذلك.. كان الجاحظ أكبر عقلية عرفتها الحضارة العربية والإسلامية فى القرن الثالث الهجرى، ومثلت مؤلفاته خلاصة مركزة ودقيقة عن العصر الذى عاش فيه ومثله وكتب عنه! (راجع كتاب المرحوم أحمد كمال زكى عنه فى سلسلة أعلام العرب).
(2)
كان الحكيم فى كل ما كتب، وبخاصة فى مقالاته الاستشرافية، صاحب رؤية مستقبلية، إنه يتجاوز الماضى، ويتخطى الحاضر، انطلاقًا نحو المستقبل، والذى يسعى من جانبه ومن خلال كل ما كتب، إلى أن يكون أفضل من الماضى والحاضر، ومن هذه الزاوية كان مُضطرًا إلى السخرية من العديد من الآراء التى تصدر عن أشباه المثقفين والتى تُعد ثقافتهم العرجاء، جهلًا على جهل، وظلمات تعلوها ظلمات.
على أن من أهم هذه المقالات الدسمة الغنية بالفكر وإثارة الأسئلة ورصد الظواهر وتحليلها، مقال بعنوان «الجاحظ ينظر إلينا»، وما أكثر ما أشار الحكيم إلى «الجاحظ» فى كتبه ومقالاته، وقد قرأه فى سن مبكرة وأحبه كثيرًا، وتأثر بطريقته «العقلانية» فى تحليل الظواهر وتشقيق الأفكار، يقول الحكيم مبديًا إعجابه الوافر بالجاحظ: «والحق أن الجاحظ وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام هو الأستاذ المباشر لأكثر زعماء القلم فى الأدب العربى المعاصر.. لأنه رفع علم التجديد وعلم الكتاب».
فى المقال ذاته، المنشور فى جريدة أخبار اليوم عام 1948 (ولاحظ التاريخ جيدًا!) يصف العصر الذى يكتب فيه مقاله بعصر «الجهل الشامل»! لماذا يصف الحكيم عصره بـ«عصر الجهل الشامل؟» يجيب:
«… ما من أحد يريد أن ينقطع إلى علم أو يتوافر على فن.. إنما الكل يتطلع إلى الثمرة قبل الشجرة! ودبّ هذا الروح فى شباب اليوم فلم يعد لهم جلَد على درس، أو صبر على كدح.. لا ينظرون إلى الجهد الذى يجب أن يبذل، لكنهم يبصرون المراتب التى يجب أن يرقوا إليها. لا يريدون أن يضيعوا وقتًا فى الغرس البطىء والإعداد الطويل.. لكنهم يريدون ثمرة غرس الآخرين، عجلين متلهفين! لذلك قلّ الاطلاع العميق وندرت القراءة المجدية، وكسدت الكتب القيمة فاختلت الموازين وفسدت القيم!
ذلك هو عصر «الجهل الشامل» الذى نعيش فيه وما أرى الجاحظ إلا راضيًا عن نفسه، قانعًا بمصيره، لو أتيح له أن ينظر إلينا اليوم من غابر زمانه».
(3)
أعيد قراءة الفقرة السابقة مرارًا، وأتعجب وأندهش جدًا من هذا الرصد. تتضح فى هذا المقال، وفى غيره من مقالات الحكيم، وعلى كل المستويات، نفوره الشديد من التقليد والاستخفاف والخفة، وعدم التمكن والإحاطة بالخبرة المطلوبة فى هذا المجال أو ذاك لاستتمام المقدرة على التفوق فيه.
كان الحكيم حريصًا على أن تكون أفكاره معبرة عن نزعة فلسفية استقلالية، نزعة تنويرية مستقبلية، تجد قيمتها من الداخل، وليس من الخارج. وآثر الحكيم لنفسه الطريق الصعب، طريق الفكر المستقل المتميز.
وكم أثارت أفكاره ردود فعل واسعة، ومن أسهل الأمور أن يكون الفرد منا مقلدًا، ولكن التقليد هو طريق الكسالى من الناس، طريق من لا يتمتعون بشخصية واضحة المعالم.
إذن، فقد كتب توفيق الحكيم هذا الكلام قبل قرابة 80 سنة! وقد كانت الفترة التى نشر فيها هذا المقال فترة حية وحيوية، توصف الآن فى كتب التاريخ الثقافى بأنها «العصر الذهبى للثقافة المصرية»، عصر القوة الناعمة الحقيقية، والانتشار الحقيقى الناعم للإنتاج الأدبى والفنى والإبداعى على كل المستويات.
تُرى لو كان توفيق الحكيم حيًا بين ظهرانينا فى 2026.. ماذا كان سيكتب الآن؟!