«الحكيم ومحفوظ».. بانوراما مصرية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2026 8:37 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

«الحكيم ومحفوظ».. بانوراما مصرية

نشر فى : السبت 8 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : السبت 8 أغسطس 2026 - 6:55 م

(1)

العلاقة بين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ علاقة وطيدة وراسخة؛ على كل المستويات: إنسانيًا، وأدبيًا، وفكريًا. فالأول كان بمثابة المصباح السحرى للثانى، الذى أدخله جنة الفن، ومنحه مفتاح التعرف على روعته وسحره ولذته؛ قارئًا أولًا، قبل أن يصبح من مبدعى الأدب وفنانيه الكبار ثانيًا.

والثانى لم يترك مناسبة ولا فرصة إلا تحدث بنبل وامتنان عميق عن أثر الحكيم فى نفسه وروحه، وأنه لولاه ما عرف معنى الفن ولا لذة الإبداع، وأنه بفضله وفضل أعماله قد أدرك كنه هذه الروح التى لا سبيل إلى الإمساك بها أو اقتناصها إلا فى نصوص مسرحية أو قصصية أو روائية.

ويوليو هو الشهر الذى رحل فيه الحكيم، نستحضر ذكراه وسيرته العطرة كل عام، ونتنشق بعضًا من أريج نصوصه الخالدة؛ مسرحياته وقصصه القصيرة ورواياته الرائدة، فضلًا عن كتاباته ومقالاته الأدبية والسياسية والاجتماعية.. كان الحكيم فياضًا بإبداعه، ممتلكًا لقلمه وقدراته الفذة فى الصياغة وإحكام الأسلوب. وصل إلى ذروة السلاسة والبساطة والسهولة التى تغرى الجاهل بأنه يستطيع تقليدها واحتذاء طرقها، وهو فى الحقيقة يطلب المحال!

وهب توفيق الحكيم نفسه لدور واحد فقط، هو دور الفنان الذى يخلى وعيه من كل شىء فيما عدا سماوات الفن التى رأى فيها خلاصه وراحته، سعادته وشقاءه، أحلامه وكوابيسه، لكنها ظلت فى كل أحوالها الضوء الهادئ لأمته التى حاول أن ينقذها بالفن من «سلطان الظلام» و«شجرة الحكم» المعطوبة، وسبات «أهل الكهف»!

ويقودها بواسطة «فن الأدب» فى رحلة إلى الغد الذى يشرق بالمستقبل والتقدم والخلاص من التخلف والجمود. كان مؤمنًا بالحرية والعدالة والنهضة، وكان متمثلًا لعمق الحضور المصرى فى التاريخ وفى ضمير الإنسانية، فكان إبداعه مسرحًا ورواية وقصة ومقالًا، يقظة وشمسًا ونهارًا جديدًا يبدد كتابة الموتى الأحياء أو الأحياء الموتى.

هكذا وهب توفيق الحكيم حياته لمشروعه الجليل، وهو أن يؤسّس للإبداع العربى مسرحًا راسخًا ورواية متميزة، أى يصوغ فنًا يجمع ما بين شمول الرؤية وعمقها، وتنوع المعالجة وتعدد مجالاتها، نافذًا من المحلى إلى الإنسانى، واصلًا الماضى بالحاضر، والشرق بالغرب، جامعًا بين التجريد الفلسفى والتجسيد الواقعى، مازجًا الملاحظة العميقة بالسخرية النافذة، متنقلًا بين المأساة والملهاة، متوسطًا بين العامية والفصحى، وباحثًا عن «لغة ثالثة» تستوعب التناقض بينهما وتجاوزه.

(2)

أما نجيب محفوظ الذى نستحضر ذكراه هذا الشهر، وقد مرت عشرون عامًا كاملة على رحيله، فما زال ملء السمع والبصر والحضور، نحن الذين نفتقده، ونفتقد بصيرته وحكمته. كنت أرى نجيب محفوظ دائمًا «الحكيم المصرى» بكل ما يمكن أن تستدعيه العبارة من معانٍ ودلالات.

نجيب محفوظ لم يكن مجرد كاتب روائى أو قاصٍ أو كاتب سيناريو أو أديب متربعًا على عرش الكتابة المصرية والعربية طوال حياته، وبعد مماته، إنما أراه دائمًا تجسيدًا حيًا وفذًا ونموذجيًا لابن الطبقة الوسطى المصرية التى نشأ فى رحابها، وتشكل فى سياقها وتشرَّب قيمها، ثم استطاع بإعجاز وعبقرية أن يكون معبرًا عنها ومجسدًا لأشواقها وتطلعاتها وآمالها، وصارخًا بآلامها وأوجاعها ومراراتها.

وكلما عاودت قراءة نجيب محفوظ، ترسخت قناعتى التى تشكلت على مدى أربعين عامًا، أن رواياته ونصوصه كانت بانوراما شاملة وكاملة للحياة المصرية أفقيًا ورأسيًا، أو تاريخيًا وموضوعيًا.

لقد بدأ نجيب محفوظ رحلته بالروايات التاريخية التى أصدر منها ثلاثًا عن مصر القديمة، وقد بدا فيها كأنه يبحث عن الجذور الأولى لتكون «الهوية المصرية» فى أقدم صيغها الوطنية. ويبدو أنه قد اكتفى نسبيًا من الكتابة التاريخية، وأستخدم كلمة «نسبيًا» عامدًا؛ لأنه صرح مرارًا بأنه كان لديه مشروعات لروايات تاريخية عن مصر القديمة (وصل بها إلى خمس وثلاثين رواية)، لكنه اضطر إلى هجر «الرواية التاريخية» والانتقال إلى الرواية الواقعية التى تنشغل بنقد الواقع السياسى والاجتماعى، وقد حرص محفوظ فى هذه المرحلة التى استهلها بروايته «القاهرة الجديدة» إلى الجزء الأخير من الثلاثية «السكرية» (1957) على تصوير الحياة المصرية منذ إرهاصات ثورة 1919 إلى إرهاصات ثورة يوليو 1952.

(3)

وقد توقف محفوظ عن الكتابة متأملًا، بعد قيام ثورة يوليو، ليرصد ملامح الواقع الجديد الذى تشكل بعد الثورة. وظل عددًا من السنوات يتأمل تحولات المجتمعات البشرية عبر تاريخ الإنسانية كلها، وذلك من خلال التركيز على العوامل الاجتماعية التى صاحبت تعاقب الديانات التوحيدية الثلاث إلى انتهاء زمن الرسالات السماوية، وبداية الصراع الإنسانى البحت.

وبعد أن هدأت ضجة «أولاد حارتنا»، كانت ملامح المجتمع المصرى بعد الثورة بكل تناقضاته قد بدأت فى الظهور. ولذلك عاد نجيب محفوظ إلى رواياته الواقعية النقدية، لكن مع إضفاء عنصر رمزى إلى تركيبة السرد والأحداث والشخصية، وذلك للإشارة إلى العام من خلال الخاص، وبواسطة تقنية كتابية تؤدى إلى تعدد الدلالة بفضل العنصر الرمزى.

لم يتوقف محفوظ عن الكتابة لحظة واحدة حتى رحيله فى 2006، ولم يتوقف عن رصد الواقع المصرى فى تاريخه الطويل الذى بدأ منذ الفراعنة إلى مطالع الألفية الجديدة.