اتصلت بنا جارتنا تسأل عن شراء كميات من المياه والأغذية المحفوظة لتخزينها بسبب طارئ قادم على بريطانيا. استغربت فى البداية، لكنى أدركت أنها أصيبت بذعر مما تابعته على مواقع التواصل عن تعليمات رسمية للبريطانيين بتخزين المؤن استعدادا لاحتمال الحرب! وكنت لاحظت بعض المنشورات بهذا المعنى ولم أُعِرها اهتماما لمعرفتى بكمّ التهويل والتلفيق والتضليل على الإنترنت.
لكن السؤال لفت الانتباه إلى ما يسمى «شراء الذعر» الذى تلجأ إليه الجماهير بمجرد سريان إشاعة أو خبر مثير، ما يعقّد حياة بقية الناس فى مجتمع ما، حين يذهبون إلى التسوق المعتاد فيجدون بعض الأصناف اختفت من رفوف محال البيع. إنه أمر يشبه ما حدث خلال أزمة وباء كورونا حين تسابق الناس لتكديس المؤن وشراء كميات فوق الاحتياج من الأقنعة وغيرها.
ربما كان الأمر مفهوما فى أزمة وباء اجتاح العالم ولم يكن معروفا كيف سيقاومه، لكن ما يحدث الآن نتيجة انتشار خبر مزيف يمكن أن يكون ضرره أوسع نطاقا.
قبل أسابيع حين انهارت مفاوضات التجارة بين أمريكا وكندا وأعلن الرئيس الأمريكى فرض رسوم باهظة على الواردات من الجارة الشمالية هرع الأمريكيون إلى محال السوبر ماركت لشراء كل ما تقع عليه أيديهم من ورق التواليت والمناديل الورقية. ليس فقط لأن أمريكا تستورد كميات كبيرة منها من كندا، ولكن لأن شركات انتاجها تستورد الأخشاب التى تصنع منها من كندا أيضا. وأدى «شراء الذعر» لتلك المنتجات إلى أزمة.
ما حدث فى بريطانيا وتداولته مواقع التواصل، مع إضافات مثيرة لا علاقة لها بالواقع، بدأ بمنشور لشركة توقعات تسمى «بولى ماركت» يتابعها المهتمون بالمضاربات فى الأسواق. ونقل بعضهم المنشور حتى انتشر كالفيروس على مواقع التواصل. واكتسب الأمر بعض المصداقية من إشارة المنشور الأساسى إلى خبر على موقع «بى بى سى».
لم يكن ذلك الخبر على الموقع سوى تقرير تحليلى عن تصاعد احتمالات الحرب مع ما يجرى بين روسيا وأوكرانيا واتهامات موسكو لبريطانيا بدعم كييف. وأن ذلك قد يتطلب تخزين المؤن الضرورية لدى الأسر تحوطا لما يمكن أن يحدث. أما صفحة المضاربات على مواقع التواصل فكان منشورها وكأن السلطات البريطانية طلبت من الشعب بالفعل تخزين الغذاء والماء استعدادا لحرب على بريطانيا!
الواقع أنه ليست هناك أى طوارئ، ولم يحدث أن طلبت السلطات البريطانية من الناس تخزين الماء والطعام. كما أنه منذ بدأت حرب أوكرانيا قبل أربع سنوات لم تتوقف الانتقادات والتهديدات الروسية لبريطانيا بسبب دعمها أوكرانيا.
كل ما حدث كان قبل عامين وعبارة عن توصية أن تحتفظ الأسر ببعض الأغذية المعلبة وما يكفى من المياه فى بعض فصول السنة وفى المناطق النائية تحسبا لتطورات طبيعية مثل الأعاصير وغيرها التى قد تتسبب فى تعطيل الوصول لأماكن الشراء لفترة.
إنما الترويج الكثيف على مواقع التواصل لما نشره موقع المضاربات بصياغة مثيرة تجافى الحقيقة وكاد يسبب قلقا بالغا للبريطانيين ويدفعهم نحو «شراء الذعر».
تجدر الإشارة إلى أن الأسواق بشكل عام تشهد أحيانا حالات مماثلة من البيع والشراء التى لا تكون مستندة إلى أساسيات السوق وإنما لما يسمى «العامل النفسى» الذى يدفع المستثمرين إلى شراء أو بيع (غالبا ما يكون بيع الذعر) الأسهم أو السندات أو العقود الآجلة للسلع كالنفط وغيره.
فى تلك الحالات تتذبذب الأسعار ومؤشرات الأسواق رغم أن أساسيات السوق تكون متينة بالفعل، إنما لأن خبرا ما أو توقعا من شركة استشارات أو حتى إشاعة سرت بين المتعاملين فدفعتهم نحو التصرف بذعر. وغالبا ما يكون مصدر الخبر المثير أو الإشاعة المضللة صفحات دردشة على الإنترنت ومواقع التواصل أيضا.
أكثر من استغل تلك الظاهرة فى العامين الأخيرين هو الرئيس الأمريكى الذى يستخدم موقعه الخاص للتواصل «تروث سوشيال» لتحريك الأسواق بتصريحات مسبقة عن قرارات سيتخذها، ثم يتراجع عنها بعد ذلك بعدما يكون مستثمرون يتابعونه استفادوا من «بيع الذعر» الذى لجأ إليه آخرون.
أحمد مصطفى
جريدة الخليج الإماراتية