الساعة تقترب من السابعة والنصف صباحًا، وكالمعتاد تنساب أنغام بعض الأغانى العربية من إذاعة البرنامج الموسيقى.. بهجة الروح والمتعة الصافية. جاء توزيع أغنية "كل ده كان ليه؟" ناعمًا شجيًّا فأغرانى بالاستماع للأغنية الأصلية بصوت محمد عبد الوهاب. بطبيعتى أحب الكلام، وكلمات هذه الأغنية فيها من الرومانسية ما لايصدر إلا عن محّب. يقول مأمون الشنّاوى فيها "نسّانى أنام الليل.. خلّانى أبات أناجيه" فمنذ متى يعتمد النوم على الذاكرة؟ النوم يفاجئ الذاكرة، لكن هذه هى عبقرية التعبير عن تمكّن المحّب من حبيبه حتى لينهاه عن النوم فيسهر، ويأمره بالمناجاة فيهمس. فى جملة "نسّانى أنام الليل" تنويع على إبداع أحمد رامى فى رائعته "هجرتك" حين قال "لقيت روحى فى عزّ جفاك .. بافكّر فيك وانا ناسي".
• • •
يتداخل صوت عبد الوهاب مع نشيد الصباح "بلادى بلادى لكِ حبّى وفؤادي" يأتى من المدرسة المجاورة فيتشتت انتباهى. ثم مع تحرّك عقارب الساعة أكثر تبدأ حياة الشارع كله فى الدوران، كلاكسات السيارات، بائع الخبز، دردشة حرّاس العمارات وشجارهم أحيانًا.. روتين يومى وربنا ما يقطع لنا عادة. أحاول أن أهرب برومانسية عبد الوهاب إلى داخل البيت فأكتشف أننى أصلًا فى الداخل، وبالتالى لا مهرب.. استعنت على الشقاء بالله وركنت الرومانسية على جنب.
• • •
سحَبت الآيباد أحد أعظم الاختراعات التكنولوچية بالنسبة للجيل القديم الذى لم يتطبّع على اصطحاب اللابتوب معه فى كل مكان.. فالآيباد بالنسبة لهذا الجيل عملى أكثر ومريح أكثر وبسيط أكثر. يسبقنى فى التجهيز لمتطلبات السفر.. ولا أطيق أن أراه مشحونًا بأقل من ٨٠٪ فدون هذه النسبة أشعر بالتوتر. أختار له جرابًا محترمًا يليق بدوره العظيم فى حياتى، ولا أستخدمه إلا فى الكتابة.. فقط الكتابة.. لا علاقة له بتطبيقات الواتساب والفيسبوك ولا يحزنون، فللكتابة هيبة واجبة الاحترام، هكذا تعلّمنا منذ الصغر. كتبتُ الرقم السرّى كالمعتاد فارتبكَت الدوائر الصغيرة الظاهرة على الشاشة لتنبهنى إلى أن الرقم غير صحيح. لم أهتم وعاودْت المحاولة مرة أخرى فاهتزَت الدوائر الخاصة بالرقم السرّى مجددًا، بدأتُ أنتبه إلى أن ثمة مشكلة قادمة فى الطريق. كله إلا الآيباد. مرة ثالثة ورابعة ثم توقَفت خوفًّا من ألا يفتح إلى الأبد. فى العادة أختار أرقامًا سرية غريبة عجيبة لا علاقة لها بما هو شائع عن تواريخ الميلاد والتخرّج والزواج وما شابه، ولم أحفل يومًا بأن أسأل نفسى عن السبب فى اختياراتى المعقّدة، مع أن الآيباد بالذات لا يوجد به غير المقالات والأبحاث وكلها منشور ولا توجد أسرار. بدأتُ أشعر بالقلق على الرقم السرّى للموبايل فقرَرتُ أن أجرّبه، فمن يدرى لعلنى نسيته هو الآخر. حدث بالفعل وأخذَت الدوائر اللعينة تتنطط أمام عينى، مرة وثانية. جرّبت أرقامًا سرّية أخرى للحقيبة التى أحتفظ فيها بالوثائق الرسمية، وللبطاقة الائتمانية، و..و..وحصلت على نفس النتيجة فى جميع المحاولات. بدا وكأن مخّى قرّر فجأة أن يتخلّص من كل الأرقام، ومع أننى أتفهًم دوافعه النبيلة لأنه يعرف جيدًا علاقتى السيئة بالحسابات والأرقام، لكنه كان يجب أن يقدّر أن للضرورة أحكامها وأن الشئ لزوم الشئ. طمأنتنى حفيدتى إلى أن هذا حدث معها من قبل بسبب الإرهاق الذهنى، وأننى بعد راحة قصيرة سأسترّد ذاكرتى الرقمية. أو مأتُ برأسى علامة على الموافقة رغم أننا كنّا فى أجازة الصيف. أعلم جيدًا أن"كلمة حاضر بتريّح" كما كانت تكرر أمى فى عدة مناسبات. لكن يبدو أن هذه "الحاضر" لم تريّح باقى أفراد الأسرة فبدأ الحوار العبثى التالي: لماذا لم تسجّلى كل أرقامك السرّية كى لا تنسينها؟ كنت أتصوّر أننى لن أنساها. هل يوجد أحد لا ينسى؟ معكم حق، فعلًا لا يوجد أحد لا ينسى. إذن كيف تغامرين بعدم تسجيل أرقامك المهمة؟ كنت أخشى أن تقع أرقامى السرّية فى يد الغرباء. ولماذا لا تحتفظين بها فى مكان آمن؟ لأن الأمان مسألة نسبية.
• • •
كعادتى حين يتأزّم الموقف أطوّر آلية ذاتية للحماية من الانفعال، فالسّن لم يعد يسمح بالمهاترة. أما الآلية التى ألوذ بها فهى أن أستدعى موقفًا فكاهيًا يتقاطع مع الموقف المتأزم الذى أمّر به لامتصاص الطاقة السلبية، وعادة ما أنجح فى ذلك. أفتح قوسين لأقول إن من المؤكّد أن ذاكرتى الفنيّة أفضل بكثير من ذاكرتى الرقمية، بل إنه من الأصل لا توجد مقارنة بين الذاكرتين.لاح أمامى مشهد من مسرحية "أصل وصورة" التى أحبها جدًا لأنها تنتقد ممارسات الصحافة الصفراء لكن بخفّة ظل لا مثيل لها. نادرًا ما تذاع هذه المسرحية اللطيفة على الفضائيات، لكن متى أذيعت لا أفوّتها، وأحيانًا أقرر أن أذيعها بنفسى لنفسى وأضحك من أعماق قلبى كأنها المرة الأولى لى مع أبطالها عبد المنعم مدبولى ومحمد عوض وأمين الهنيدى وحسن مصطفى. مجرد ذكر هذه الأسماء هو فى حدّ ذاته مصدر للسعادة. فى المشهد المرتبط بحكاية نسيان رقمى السرّى، نسى رئيس التحرير اسم أحد محرريه وكان عبد العزيز، فراح يهتّز بكرشه الضخم ويحاول بصوتٍ مميّز أن يتذكّر اسمه، فمرة يدعوه عبد المجيد ومرة أخرى يدعوه عبد الحميد، وحين يبادر المحرّر بتصحيح اسمه ضاحكًا يغضب منه رئيس التحرير لأنه يتهكّم عليه، ويقرّر أن يخصم له عدة أيام من راتبه. أسعدنى المشهد كالمعتاد .
• • •
حمل لى المساء مفاجأة لطيفة وغير متوقعّة. أنار رقم الآيباد السرّى شاشة مخّى دون أى مجهود لتذكّره، وعندما سارعتُ بتسكينه فورًا فى الدوائر اللعينة إياها اختفَت من أمامى. ثم لم تلبث الأرقام السرّية الأخرى الخاصة بالموبايل وحقيبة الوثائق أن توالت تباعًا كأنها كانت تحتاج لتشجيع من الآيباد، أو كأن زرّ الذاكرة الرقمية عاد للعمل بعد عطلٍ طارئ غير معروف السبب. ازددتُ ثقة فى قدرة الفن على التغيير وفى السرّ الباتع لمسرحية "أصل وصورة". بدأتُ فى ترتيب أفكارى استعدادًا لكتابة هذا المقال.