حواريات «محفوظ» كنزٌ مخبوء! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:27 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حواريات «محفوظ» كنزٌ مخبوء!

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:00 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:00 م

(1)
عشرون عامًا بالتمام والكمال مرت اليوم على وفاة شيخ الرواية العربية وعميدها بلا منازع، الحائز على نوبل فى الآداب، نجيب محفوظ (1911-2006)، الذى كان مؤمنًا بأن الأدب الذى لا يرقى إلى مرتبة الشعر ــ حتى لو لم يكن منظومًا ــ ليس من الأدب فى شىء.


وانطلاقًا من هذه القناعة التى ظلت راسخة وقارّة فى وجدانه الأدبى والفكرى، أنجز محفوظ عبر مشواره الأدبى الذى امتد لما يزيد على ثلاثة أرباع القرن، أعماله الروائية والقصصية التى احتلت مكانها فى الأدب العربى الحديث كله، 57 كتابًا روائيًا وقصصيًا، وعددًا من المسرحيات «الحواريات»، وكتابًا مترجمًا («مصر القديمة» لجيمس بيكى).


وعبر الأعوام العشرين المنقضية، كتبت كثيرًا عن نجيب محفوظ، ولا أملُّ أبدًا من الكتابة عنه، ولا عن «سيرته» وأعماله، وجوانب عبقريته الإبداعية والإنسانية.. وعبر هذه السنوات العشرين، أرصد الإقبالَ غير العادى من أجيال وأجيال على قراءة نجيب محفوظ والتعرف عليه، واكتشاف قيمته؛ إنهم يعيدون اكتشاف العظيم نجيب محفوظ، ويعيدون قراءته واستلهام إنجازه وأثره فى زمن عزّ عليهم أن يدركوا القيمة، وأن يتعرفوا عليها!


وفى السنوات الأخيرة بدا لى أن ثمة اهتمامًا ملحوظًا بإرث محفوظ غير الإبداعى (دونما أى انتقاص، طبعًا، بإرثه الخالد من الروايات والقصص). بدأت تظهر «مقاطع قصيرة» من حواراته المتلفزة لم يكن أحد مهتمًا بها من قبل! وكذلك من أحاديثه الإذاعية المسجلة! مقاطع أكدت لنا عبقرية هذا المصرى الأصيل، وإبداعه الذى لا نظير له!


(2)
لم تحظَ حواريات محفوظ الإذاعية والمرئية باهتمام كثيرٍ من الباحثين، قدر الجوانب المختلفة والمتعددة من إبداع محفوظ، ومنها حواريات نادرة أجراها معه إذاعيون كبار فى مراحل مختلفة من عمره، وإن كان أقدمها التى وصلت إلينا وهو فى الستين من عمره تقريبًا!
لم يكن نجيب محفوظ روائيًا فذًا فقط، بل كان محاورًا من طراز رفيع، شهد كل من حاوره بأنه كان سريع البديهة، حاضر الذهن، حلو اللسان، خفيف الظل، تميز بنكاته و«قفشاته»، المعبرة عن عمق انتمائه وإخلاصه لروافد تكوينه الأولى ونشأته فى حى الحسين العريق.
وما أكثر الذكريات والحكايات والطرائف التى رواها وحكاها عنه أصدقاء عمره من شلة «الحرافيش»، لكن تبقى لحوارياته المسجلة طزاجتها وجمالها اللذان لم يَخْبُوَا رغم تسجيلها منذ عقود طويلة، وكذلك لآرائه وتصوراته وبعض أفكاره التى طرحها، ودلت على مدى انفتاح آفاق الخيال لدى محفوظ، وقدرته الرهيبة على طرح الأسئلة الافتراضية حول المستقبل ومحاولة الإجابة عنها بإبداعية نادرة.


فى حلقة نادرة من البرنامج الإذاعى «حوار الإنسان والمكان» الذى أجراه مع محفوظ الإذاعى الكبير عمر بطيشة، روى محفوظ طرفًا من ذكرياته عن حياته الأولى، والمشاهد الباكرة التى انطبعت فى ذاكرته، وشكلت وجدانه وفتقت ذهنه، وفتحت له آفاقًا للتخيل لا تحد.
خلال الحوار يذكر محفوظ أن نشأته فى حى الحسين العريق، بحواريه وأزقته وميادينه وآثاره من المساجد والأضرحة والأسبلة، وناسه رجالًا ونساءً، مجاذيبه وشحاذيه، بـ«زيطة» المكان المعروفة، هى التى جعلته يتشرب روح المكان ويتشبع بمفرداته وتفاصيله الدقيقة؛ فالمكان هنا، والحديث لمحفوظ، له خصوصية من نوع فريد، وله مذاق خاص، يمثل فى هذه الحالة «الدنيا كلها» لصاحبه (8 أو 9 أعوام تركت بصمتها على العمر كله فيما بعد).


محفوظ تطرق إلى أنه، وبعد الانتقال ومغادرة الحى الذى ولد ونشأ فيه إلى أماكن أخرى، يبدأ الإحساس بالحنين للمكان الأول والشعور بالفقد والافتقاد له، ولذلك «فرجوعى للحى أو المكان القديم كان تحت إلحاح أشد من الإلحاح الذى كنت موجودًا فيه»، يقول محفوظ.


(3)
فى لقاء إذاعى آخر أجرته معه الإذاعية الراحلة نادية صالح فى برنامجها «حديث الذكريات»، سألته عما الذى كان يتمنى أن يراه فى شبابه الباكر من مظاهر الحياة الحديثة، وكشوفات العلم وابتكاراته، مما رآه وعايشه وهو كهل كبير، أجاب نجيب محفوظ، قائلًا: ظهور الراديو كان سحرًا.. فوقت أن ظهر الراديو كان شيئًا مذهلًا.. وكان من آثار ظهوره الحاسمة فى عام 1934م أن أخذت مسارح روض الفرج فى التلاشى والاندثار تمامًا، حيث قدمت الإذاعة الأوبرا والأوبريتات القديمة فاكتفى الناس بسماعها فى الراديو».


ومن سماع الراديو إلى ظهور التليفزيون، يرصد نجيب محفوظ الفارق الدقيق فى النقلة الحضارية والتقنية التى عاصرها فى ذلك الزمن البعيد، يقول محفوظ: «عندما ظهر التليفزيون كان سحرًا ثانيًا.. أنا لا أتصور الدنيا بدونهما الآن، وكنت أتمنى ألا يوجدا فقط أيام شبابى، إنما كنت أتمنى أن يظهرا ويوجدا فى شباب الإنسانية.. لو أن كل الأسماء التى بهرتنا وغيرت وجه العالم.. تصوروا لو أن كل هذه الأسماء لها أشرطة مسجلة تحفظ كل ما قالوه، وكل شاردة وواردة لهم، كيف يكون حجم وكم المعرفة المذهلة التى كانت ستصلنا عنهم؟!».


لا أظن أن الأفكار التى طرحها محفوظ، فى حوارياته المسجلة الإذاعية والمرئية، ومرت مرورًا عابرًا دون كثير اهتمام، قد طرأت على بال كثيرين من قبل!.