الفقر الوسطى الأصيل - يوسف إدوارد - بوابة الشروق
السبت 29 أغسطس 2026 9:25 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

الفقر الوسطى الأصيل

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:05 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2026 - 8:05 م

بصراحة، هناك فقر لا يحب أن يُسمّى فقرًا، تراه فى رجل يرتدى ملابس مرتبة وسيارة قديمة يحافظ على نظافتها وصيانتها بقدر استطاعته، وأم تعرف كيف تجعل فستانًا قديمًا صالحًا لمناسبة جديدة، وبيت يظل مستعدًا للضيف مهما كانت الإمكانات محدودة. هى حياة تقع بين ما يستطيع الإنسان دفع ثمنه وما يراه ضروريًا لحياة كريمة، وهنا يصبح للدخل حساب، لكن للتضحية والالتزام والكرامة حسابات أخرى، ربما تكون أهم.


• • •
هذه الأسرة لا تبحث دائمًا عن الجديد، لكنها تبحث عن أن تظل حياتها فى الشكل الذى تحبه. قطعة قديمة يمكن تعديلها، وملابس يمكن تنسيقها، وشىء يحتاج إلى إصلاح بدلًا من شراء بديل له، وفى النهاية تؤدى الأشياء وظيفتها. ليست المسألة منافسة فى الأناقة، وإنما رغبة بسيطة فى ألا يشعر الإنسان أن ضيق الإمكانات انتقص من مظهره الاجتماعى أو من كرامته أمام الناس.


والبيت نفسه له حساباته، فالأم تعرف ماذا يمكن أن تشترى وماذا يمكن أن تؤجله، لكنها عندما يأتى ضيف لا تضع أمامه هذه الحسابات. قد تراجع أسعار المكونات قبل أن تشتريها، وقد تفكر كيف تستمر حتى نهاية الشهر، لكن عندما يصل الضيف تقدم له أفضل ما تستطيع وتقول: «لازم تاكل.. دى حاجة بسيطة»، لأن الضيف لا يأكل من الميزانية فقط، لكنه يأكل من رصيد الضيافة والمحبة، ومن إحساس الأسرة بأن واجبها أن تكرم من دخل بيتها.


والمجاملات فى البيت المصرى ليست دائمًا مجاملات عابرة؛ الفرح والعزاء له واجبه، والزيارة لها واجبها من حضور وهدية وسؤال ووقوف إلى جانب الآخر، وقد تكون الهدية بسيطة، وقد يكون الحضور هو الشىء الوحيد الذى يستطيع الإنسان تقديمه، لكنه يعرف أن غيابه فى بعض اللحظات لا يمكن تعويضه، وهذه العلاقات الممتدة جزء من حياة الناس، وربما كانت واحدة من الأشياء التى حافظت عليها الأسر رغم تغير الظروف وضيق الإمكانيات.


• • •
ثم يأتى الأبناء، وهنا يبدأ الحساب الحقيقي، فالتعليم ليس بندًا يمكن شطبه بسهولة من الميزانية، والمدرسة ودروس وجامعة ولغة وكورسات، ثم أول خطوة فى العمل، كلها أشياء يراها الأب والأم فرصة يجب ألا تضيع على أبنائهما، فالأب لا يرى هذه المصروفات فى صورة فواتير فقط، وإنما يرى فيها شيئًا يريد أن يمنحه لابنه ولم تتح له الظروف أن يحصل عليه بالطريقة نفسها، والأم تفكر فى تعليم ابنتها وتجهيزها لحياة أفضل، وقد تتأجل بسبب ذلك رحلة أو شراء شىء جديد، لكن تعليم الأبناء يبقى.


وعندما تأتى لحظة النجاح، سواء كانت نتيجة جيدة أو كلية محترمة وأول وظيفة وترقية ومشروعًا صغيرًا، تفرح الأسرة بطريقة مختلفة. النجاح هنا ليس خبرًا عابرًا فى البيت، لكنه شىء ترى فيه الأسرة نتيجة سنوات من التعب. قد تكون هناك مصروفات كثيرة لا يتذكرها أحد وقرارات صغيرة اتخذها الأب والأم طوال سنوات، لكن فى هذه اللحظة يبدو كل ذلك وكأنه أخذ شكلًا يمكن رؤيته، ونجاح الأبناء أحيانًا يكون المكافأة المؤجلة لسنوات كاملة.


• • •
ثم يأتى زواج الأبناء، وهو فصل آخر من المسئولية. تبدأ الأم أحيانًا فى تجهيز ابنتها مبكرًا، وتشترى قطعة من هنا، وبعض الذهب عندما تسمح الظروف، وجهازًا منزليًا عندما تتوافر فرصة مناسبة، وتحتفظ بالأشياء حتى يأتى وقتها. هى فى الحقيقة لا تريد لها قصرًا، لكنها تريد أن تدخل بيتها وهى تشعر أنها تملك ما يكفى لتبدأ حياتها مطمئنة.


وقد تجلس أمام ما جمعته خلال سنوات وتتذكر متى اشترت كل قطعة، وربما لا تتذكر ثمن الأشياء بقدر ما تتذكر المرات التى قررت فيها ألا تنفق المال على شىء يخصها وتتركه لابنتها.


والأب يفكر فى ابنه بالطريقة نفسها، يفكر فى شقة يستطيع أن يبدأ فيها حياته، ومساعدة فى التجهيز، ودعم فى أول الطريق. قد تكون الشقة صغيرة، وقد يكون الأثاث بسيطًا، لكنه يشعر يومها أنه أزاح حجرًا كبيرًا من طريق ابنه. «المهم يبدأ حياته»، وهى عبارة بسيطة تختصر سنوات من المسئولية والتضحية، وتقول إن الأب لا يبحث عن حياة مثالية لابنه، وإنما يحاول أن يمنحه بداية يستطيع أن يبنى عليها.


ولهذا يظل المال قليلًا أحيانًا، ليس لأن الأسرة تنفق بلا حساب، وإنما لأنها تحسب أشياء كثيرة فى الوقت نفسه. تحسب الحاضر، وتفكر فى التعليم، وتضع شيئًا للزواج، وتترك مبلغًا للطوارئ، وتفكر فى الأيام التى لا يعرف أحد ماذا تحمل. الاحتياط هنا ليس رفاهية، لكنه جزء من الأمان. قطعة ذهب لا تُباع بسهولة، ومبلغ لا يتم الاقتراب منه إلا عند الضرورة، وجهاز يتم الاحتفاظ به، وسيارة يتم إصلاحها بدلًا من استبدالها. كل شىء تقريبًا له يوم محتمل قد يحتاجه فيه أحد.


حتى السيارة القديمة تدخل فى هذه الحكاية. تتعطل قليلًا وتتغير لها قطعة غيار بدلًا من شراء سيارة جديدة، وحين تسأل صاحبها عن حالها يقول لك: «زى الفل». وأحيانًا لا تكون الجملة عن السيارة وحدها، وإنما عن الحياة نفسها. هناك أشياء كثيرة ليست كما يتمنى الإنسان، لكنه يتعلم أن يقول: «فى نعمة»، لأن الحياة ليست مقارنة دائمة بما يملكه الآخرون.


• • •
وهنا تظهر قيمة الأب والأم بطريقة ربما لا يراها الأبناء فى وقتها. هما لا يريدان أن يحمل الأبناء قلقهما كله. قد يعرف الأب أن دخله أصبح ضيقًا، لكنه لا يريد أن يشعر ابنه بذلك وهو ذاهب إلى مدرسته. وقد تعرف الأم أن هناك أشياء كثيرة مؤجلة، لكنها تريد أن يظل البيت مكانًا آمنًا وواسعًا لأبنائها، حتى لو كان المكان نفسه صغيرًا. لن ترى الأقساط المؤجلة، ولا الأشياء التى تم تأجيلها، ولا تعرف كم مرة اختار الأب أن يشترى لأبنائه بدلًا من أن يشترى لنفسه، وكم مرة قالت الأم: «مش مهم.. عادى».


وفى نهاية الشهر يجلس الأب والأم ويراجعان ما تبقى وما يحتاجه الأبناء، وما يمكن تأجيله إلى الشهر المقبل. قد يكون الحساب صعبًا، لكن أحدهما يقول: «الحمد لله»، ويرد الآخر: «نشكر الله». هما لا يملكان كل ما يريدان، لكن لديهما ما يكفى للاستمرار، وربما هذا هو المعنى الحقيقى لكل هذه الحسابات.


ولهذا لا يظهر هذا النوع من الفقر بسهولة. قد تجلس إلى صاحبه فى مناسبة فتراه أنيقًا ومبتسمًا، وقد تدخل بيته فتجد المائدة جاهزة، وقد تسأل عن أبنائه فتسمع كلامًا جيدًا عن الدراسة والعمل والزواج. قد تنظر إلى دخله فتراه محدودًا، لكنك إذا نظرت إلى ما يفعله بهذا الدخل ستجد قصة أخرى تمامًا.


• • •
أظن أن الفقر الوسطى الأصيل ليس أن تملك القليل، وإنما أن تكون مسئولًا عن أشياء كثيرة وتحاول أن تتعامل معها بما لديك. أن تعرف أن المال لن يكفى كل شىء، فتقرر ما الذى يستحق أن يبقى، وما الذى يمكن تأجيله، ومن الذى يجب أن يحصل على فرصته أولًا.


هناك أسر قد تبدو فقيرة إذا نظرت إلى دخلها، لكنها تبدو غنية جدًا إذا نظرت إلى ما تحمله من مسئولية وكرامة ومحبة. أسر لا تستطيع أن تترك لأبنائها كثيرًا من المال، لكنها تحاول أن تترك لهم تعليمًا أفضل، وبداية أهدأ، وشيئًا من الأمان، والأهم أن تترك لهم إحساسًا بأن أحدًا كان يفكر فيهم قبل أن يحتاجوا إلى شىء.


وربما هذه هى أصالة الأسرة المصرية العادية: أن تحمل مسئولية من تحب أكثر مما تحمل همّ ما لا تملك، وأن تحاول أن تجعل أبناءك يبدأون من نقطة أفضل قليلًا من النقطة التى بدأت منها، وأن تترك لمن يأتى بعدك شيئًا من الأمان حتى لو لم تترك له كثيرًا من المال.


فالفقر الوسطى الأصيل ليس حكاية عن قلة ما فى اليد، بقدر ما هو حكاية عن كثرة ما فى القلب من محبة ومسئولية.


مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية

يوسف إدوارد مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية
التعليقات