أخيرًا جاء دورها بعد أن جلست طويلًا ضمن عشرات المرضى فى صالة الانتظار. دخلت إلى غرفة شبه معتمة ومدت جسدها على طاولة جهاز الرنين المغناطيسى كما أرشدتها الممرضة، قبل أن تندفع بها داخل أسطوانة ضيقة ومغلقة. أمرتها ألا تحرك ساكنًا حتى لا تفسد عملية الكشف ويضطروا إلى البدء من جديد. راحت تتأمل ملمس الجسم البلاستيكى للجهاز والسرير المصنع من مُركبات الكربون ليتحمل الأوزان الثقيلة دون أدنى تشويش على إشارات الراديو أثناء التصوير. ظلت تراقب الأصوات التى يطلقها الجهاز وتميز بينها وبين تلك التى تصدر عن جسمها وتشبه كثيرًا أصوات الطبيعة، فأجسادنا تعمل كأنظمة حية مليئة بالسوائل والتدفقات التى تُنتج ذبذبات تماثل ظواهر الكون من حولنا، إذ تخضع أصوات الجسم لقوانين الفيزياء والاهتزاز مثلها مثل أصوات الطبيعة. وأدوات الفحص الطبى تسمح بالاستماع إلى هذا الضجيج الداخلى بوضوح أكبر. نكتشف أن نبضات القلب تُحاكى هدير الأمواج المنتظمة أو دقات الطبول البطيئة وأن تدفق الدم فى الأوعية يشبه صوت جريان الأنهار الصغيرة أو حفيف الريح داخل الأذن، أما التنفس فهو قريب من حركة النسيم أو اندفاع الهواء بين الأشجار. هكذا ظلت تتنقل بين خرير وعجيج وأجيج وعباب خلال عملية الفحص.. تتتبع إيقاعها الخاص وتُشكل لوحة صوتية تُعيد إليها إيقاعها الهادىء وتمنحها سكينة عميقة ذكرتها بما كانت تشعر به وهى صغيرة على ضفاف النيل حيث أمضت جزءًا كبيرًا من طفولتها. للنهر الخالد صوت ناعم حنون يتميز بالانسياب البطىء ويختلط أحيانًا بحفيف النخيل وتغريد الطيور.
• • •
ضحكت فى سرها حين استدعت طرفة كان يرويها أحدهم ويزعم أنها جاءت على لسان صديق من أبناء النوبة حين سألوه عن أحوال بلدته، فقال «شلال رايق رايق بس الباب ديوس»، ما فسره بأن الوضع رائق وجميل لكن والده قد توفى، وفى تحريف آخر للمعنى أن كل شىء على ما يُرام لكن الباب موصد فى وجهه وهناك ما يعوق مروره واستكمال راحته. ظلت هذه الدعابة متداولة فى العائلة دون التأكد من دقتها اللغوية أو من صحتها. يرددها محيطها للدلالة على أوضاع ملتبسة كتلك التى تعيشها.
تذكرت زياراتها للجندل الأول فى أسوان بالمراكب الشراعية، وهو الشلال الطبيعى الوحيد الذى يقع ضمن الحدود المصرية من ضمن شلالات النيل الستة التى يوجد منها خمسة فى السودان. بعض الأصوات التى ترددت بداخلها وهى تحت جهاز الرنين أخذتها بعيدا إلى منطقة المنحدرات المائية بين أسوان والخرطوم حيث يتكسر سطح الماء بفعل العديد من الصخور والأحجار البارزة.. صوتها أقرب إلى الأمواج، ثم تصطدم المياه بالحجر أو بالصخور الجرانيتية. استدعت المشهد البديع والمناظر الطبيعية الخلابة، وتسرب إليها القلق ففيضان النيل هذا العام «أقل قليلًا من المتوسط» مقارنة بالسنوات السابقة، وفقا لما سمعته من تصريحات رسمية. يأتى فيضان النيل الأزرق خلال الفترة من يوليو حتى أكتوبر من كل عام وتبلغ ذروته فى شهر أغسطس، لذا يبدأ العام المائى الجديد بمصر فى الأول من أغسطس، وتتجه الأنظار نحو بحيرة ناصر والسد العالى لمتابعة تدفقات الفيضان من الهضبة الإستوائية والإثيوبية، إذ تمدنا هذه الأخيرة بنحو 85% من إجمالى احتياجات مصر المائية. وبسبب تراجع الأمطار الموسمية فى أعالى النيل خلال شهر يوليو وتأثير عمليات الملء والتخزين من الجانب الإثيوبى فى سد النهضة فقد شهد منسوب نهر النيل تراجعًا فى مصر والسودان. رددت «شلال رايق رايق»، وقررت أن تتوقف عن التفكير وتترك نفسها لأصوات جسمها والجهاز لكى تقودها إلى موضع الآخر، فالفحص يستغرق بعض الوقت، وعليها أن تظل ثابتة فى مكانها وأن تسرح بخيالها حسبما تشاء.
• • •
الصوت الآن داخل الأسطوانة يشبه تلاطم أمواج البحر. قالت إن ما تفعله حاليًا تحت الجهاز يشبه ما صنعه المؤلف الموسيقى كلود ديبوسى حين أراد أن يرسم لوحة صوتية من خلال مقطوعة «البحر»، وهى واحدة من أشهر وأهم الأعمال الأوركسترالية. لا تروى المقطوعة قصة محددة، بل هى تنقل الأحاسيس والظلال والألوان التى يثيرها مشهد البحر وتحولاته الطبيعية. وتتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية: الحركة الأولى تمتد من الفجر حتى الظهر، وتبدأ بألحان هادئة غامضة نوعًا ما تحاكى تدرج الضوء على سطح البحر وتتصاعد حتى تصل إلى ذروتها مع انتصاف النهار. الحركة الثانية تصور لعب الأمواج وحيويتها وتلاطمها وتجسد الزبد والرذاذ، أما الحركة الثالثة «حوار الريح والبحر» فهى أكثر درامية وتبين الجانب المظلم والقوى للطبيعة.
رغم أهمية المقطوعة وكل ما قيل عنها، فإنها لم تحبها قط.. تعشق البحر، لكنها لم تجد فيها ضالتها. كتبها ديبوسى بين عامى 1903 و1905، وهو فى منطقة ريفية بعيدة عن الساحل، لكنه استدعى صورة البحر المتوسط الذى اكتشفه لأول مرة وهو فى الثامنة من عمره حين اصطحبته أمه إلى الريفيرا الفرنسية. وقام بعملية التوزيع الأوركسترالى بميناء دييب فى منطقة النورماندى، عند مصب نهر أرك فى بحر المانش. نشعر أكثر بتأثير هذا الأخير عليه وانعكاس تعلقه بالمحيط الأطلسى على مقطوعة «البحر»، ربما يفسر ذلك عدم اندماجها مع الصورة الصوتية التى قدمها، وقد كان كلود ديبوسى شديد التأثر بالفنون البصرية خاصة أعمال مونيه الانطباعية ولوحة «الموجة العظيمة فى كاناجاوا» للفنان اليابانى هوكوساى التى حرص على وضعها على الغلاف الأصلى للنوتة الموسيقية.
ارتفعت حدة الضجيج داخل أسطوانة جهاز الرنين المغناطيسى. خلايا الإنسان ليست صماء تجاه الأصوات، بل تستطيع تمييز الموجات الصوتية والتغيرات من حولها والتفاعل معها بشكل ملموس، وهو ما أكدته دراسة علمية حديثة أجرتها جامعة «كيوتو» باليابان.. جاء فيها أن الموسيقى والأصوات الطبيعية وضوضاء المدن يمكن أن تترك بصمتها على خلايا جسمك. أخذها ديبوسى إلى اليابان من خلال لوحة هوكوساى، ثم عادت إلى ضوضاء القاهرة وصخب جسدها وتوتره.. تتخيل تأثير كل ذلك عليها. هذا البحث سيفتح الأفق أمام علاجات صوتية مستقبلية دون شك وربما يغير من نظرتنا لعلاقة الصوت والجسم والصحة. انتهت تأملاتها الصوتية وخرجت إلى قاعة الانتظار لتجدها قد خلت تمامًا من البشر. صدق الشاعر، حين قال: «هذا الزحام لا أحد».