(1)
لم أستغرب مظاهرة الحب والامتنان والحزن الصادق العميق الذى أبداه المصريون والعرب جميعا فى وداع الموسيقار والملحن العبقرى هانى شنودة الذى غادرنا الأسبوع الماضى بعد رحلة طويلة، عامرة بالجمال والمحبة والإنسانية، واللحن البديع، والموسيقى الحلوة، والاكتشافات الفنية التجديدية التى لطالما أسعدت وأمتعت أجيالا وأجيالا.
عبقرى من عباقرة النغم والموسيقى واللحن؛ رحل عنا بعد رحلة عامرة بالفن والجمال والمتعة والإنسانية الراقية..
كانت مذكراته الرائعة التى صدرت قبل سنوات عن دار ريشة (حررها الناقد الفنى مصطفى حمدى) من أمتع وأرق وأرقى ما قرأت فى حياتى من سِير ذاتية ومذكرات، وقد صدَّرها بإهداء لا مثيل له فى جماله ورقته وعذوبته وإدراكه لقيمة ومعنى أن يكون فنانا وظيفته إسعاد الناس:
«مشوارى»..
هل كان مشوارا طويلا أم قصيرا؟
طويل إذا حسب بالسنين.. فأنا من مواليد 1943 ولكن مضى المشوار كسهم انطلق!
ولم أشعر بمرور الأيام إلا عندما نظرت فى المرآة ورأيت ما فعله الزمن.
ولكننى مصمم على أن من خلقنى لإسعاد الناس بقدرته اللا محدودة سأختم حياتى بإسعاد الناس!»
(إهداء مذكرات هانى شنودة)..
(2)
من يقرأ هذه المذكرات الرائعة سيجد كل مفاتيح وسمات هذه الشخصية الرقيقة المتواضعة؛ المصرية قلبا وقالبا، ومن يشاهد التسجيلات الحية التى أجريت معه فى السنوات الأخيرة، وبخاصة الحلقة الرائعة التى سجلتها معه الفنانة إسعاد يونس فى برنامجها (صاحبة السعادة) سيجد أن الرجل كان موهوبا ومخلصا فى ترجمة كل مشاعره وأحاسيسه إلى موسيقى عذبة ورائقة وسيالة..
من أهم ما يستشفه قارئ الكتاب الذكى الحصيف ذلك الحس الاجتماعى القوى فى فكر ورؤية هانى شنودة وهو يبدع ألحانه ويؤلف موسيقاه؛ بداخله فنان مبدع يطمح للعبقرية، وإن اتهم بالجنون! يردد أكثر من مرة عبر صفحات الكتاب مقولة الفيلسوف ثيروندايك إن «الفرق بين العبقرى والمجنون هو النجاح»، ويعتبرها أحد أهم مفاتيح الحياة والتطور والنجاح فى مسيرته.
خيط رفيع للغاية يفصل بين البساطة الخادعة، والسلاسة الممتعة، وبين العمق الاجتماعى الواعى تمامًا بضرورة تمثيل هموم وآلام وآمال وطموحات هؤلاء الناس الذين يبدع لهم، ويستلهمهم ويتوجه إليهم؛ ولا يغيبون عنه لحظة.
ولعل فى قصة تلحينه لأغنية «زحمة يا دنيا زحمة» لأحمد عدوية ما يوضح هذا الحس الرفيع؛ يتذكر هانى شنودة يوم التسجيل، قائلًا: «ذهبنا لنجرى بروفة فى (استوديو 35) بالإذاعة. كنا نعزف مقاطع من الأغنية وعدوية يغنِّى، بينما موظفو الإذاعة يتجمهرون فى غرفة الكنترول؛ ليتابعوا ما يولد بالداخل، وكأنه شىء غريب وعجيب، وهو كذلك فعلا؛ فقد كانت المرة الأولى التى يشارك فيها البيز جيتار والدرامز فى عزف أغنية شعبية، ومن بعدها وكل الأغانى الشعبية تستخدم هاتين الآلتَين».
يتابع شنودة: «أنا شُفت نجاح (زحمة يا دنيا) وهى بتتسجل من قبل أن تُطرح بالأسواق، وبعد أن حققت مبيعات خرافية جاءنى عاطف منتصر، كعادته، وقال لى: كان عندك حق يا هانى… أنت عملت حاجة ما حصلتش فى تاريخ الأغنية الشعبية المصرية».
(3)
المؤكد أن تأثير «زحمة يا دنيا» كان أكبر من كونه شريط كاسيت حقق أعلى مبيعات فى مسيرة عدوية، لقد تحولت الأغنية إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية، واستخدمها الناس كوسيلة للاعتراض على أحوال المرور التى ساءت فى السبعينيات ووصلت إلى أزمة خانقة، مع الزيادة السكانية، والهجرة المتزايدة من الريف والصعيد إلى القاهرة، وغياب الانضباط عن الشارع.
كان سائقو التاكسى يرفعون صوت الأغنية فى (كاسيتات) سياراتهم وهم يمرون أمام عساكر المرور والضباط فى الإشارات، ويستفزونهم وهم يغنون (مولد وصاحبه غايب)، الجملة فى حد ذاتها كانت أشبه بصفعة على وجه صاحب المولد الغايب أو المتغيب عن أداء دوره، ولهذا وبعد أسبوعين فقط من طرح الشريط بالأسواق وصلت تقارير للرئيس السادات بما يحدث فى الشارع، فأعلن إعادة الانضباط للشارع المصرى، وأمر بنزول حملات مرورية فى كل شوارع العاصمة لضبط حركة المرور، وإيقاف السائقين المخالفين.. كان السادات بهذه القرارات يعلن على الملأ أن المولد صاحبه حاضر ولم يغب، كأنه يرد على صرخة عدوية التى هزت الرأى العام». (ص 73، 74)
(4)
كان هانى شنودة يذكرنى بكبار الفنانين المبدعين الذين يحملون بداخلهم حسّا نقديّا رفيعًا وأصيلًا أصدق من مائة ناقد محترف! كل مبدع أصيل بداخله ناقد كبير حقيقى متوارٍ لا يظهر إلا عند الضرورة ليكشف جمالية لحن رائع أو يفسر طبيعة صوت غنائى وخصوصيته.
كما لا أنسى قدرته المذهلة على تحليل المقطوعات الموسيقية، وتبسيط تذوقها والإحساس بها للمستمع العادى؛ صاحب الذائقة البسيطة؛ هذه القدرة لا تصدر إلا عن مبدع وناقد كبير جدّا وممتلك تمامًا ناصية المعرفة التى يتقنها موهبة ودراسة وممارسة.
إذا لم أكن تشرفت بمعرفته على المستوى الشخصى، فقد سعدت ونعمت بالاستماع إلى ألحانه وموسيقاه وقدرته البارعة الفذة على ترجمة المشاعر والأحاسيس إلى إيقاعات وأنغام.. وستبقى أعماله شاهدة على عطاء وخصوبة أهل مصر، وأبناء مصر.