(1)
حينما أعاود قراءة رواية أو مسرحية أو مجموعة قصصية أو مقالات متنوعة لتوفيق الحكيم، أشعر بامتنان كبير وتقدير مضاعف لطبعات دار الشروق التى أتاحت تراث الحكيم وصانته ووفرته فى طبعات أنيقة مدققة ومحررة لأبنائنا وبناتنا من الأجيال الجديدة.
لستُ ممن ييأسون من معاودة الدعوة وضرورة التذكير بقيمنا الإبداعية والثقافية والعلمية خلال القرنين الأخيرين! لست ممن ينظرون إلى الأمام دون أن يكونوا محمَّلين بخبرات ومعارف تراثهم، القريب والبعيد على السواء، خاصة فيما يتصل بعناصره الموجبة والحيوية اللازمة للاستمرار والبقاء والبحث عن المستقبل!
الوعى بالتاريخ، والوعى بما تم إنتاجه وإنجازه فى الماضى القريب، ضرورة لازمة لفهم الحاضر واستيعابه والانطلاق منه إلى آفاق لا تحد!
لن نصل إلى شىء ولن نراكم مسافات مقطوعة ونلحم ما مضى مع نقطتنا الراهنة من دون استيعاب كامل لما تم إنتاجه من أفكار وتصورات وآراء حولنا نحن (الأنا) فى تأملها لذاتها وفى تأملها لغيرها (الآخر؛ أيا كان هذا الآخر؛ قريبًا كان أم على الضفة الأخرى من البحر والنهر معًا).
من هنا، وأكرر وأجدد التذكير، يجب أن نفتش وننقب فى تراث نهضتنا الحديثة.. وأنا ممن يحبون ويصرون على استخدام مصطلح «نهوض» بما فيه من عزم وإرادة ورغبة حقيقية فى الخلاص من وضعٍ يجب الخلاص منه، ونفض ترابه ورماده والقيام بحركة نشطة فعالة تجعلنا حقا فى وضعية نهوض وخروج من أزمةٍ وضيق وجمود إلى براحٍ وسعَة وحركة متطورة لعلها هى السر وهى الأمل لأبنائنا وأحفادنا فى المستقبل.. وإن لم نشهد هذا بأعيننا وأنفسنا فيكفى أن يحققه من بعدنا أبناء هذا البلد!
(2)
رحل توفيق الحكيم عن عالمنا فى السادس والعشرين من يوليو عام 1987 بعد مشوار حافل بالعطاءات والتأسيسات والإنجازات. توفيق الحكيم تجاوز كونه رائدًا للمسرح العربى الحديث، وأبا روحيا من آباء الكتابة السردية بأنواعها الجديدة (الرواية والقصة القصيرة) وأستاذًا من أساتذة فن المقال الذى برع فيه وصال وجال وصار على رأس كتّاب المقال بأنواعه المختلفة فى القرن العشرين!
أقول إن توفيق الحكيم قد تجاوز كل تلك الأدوار والمهام والمسئوليات التى أداها كأحسن ما يكون وأبرع ما يكون، إلى كونه صار ملهمًا وفاتح طريق لجيلٍ بارع من أجيال الأدب والإبداع والعطاء الثقافى والفكرى فى القرن العشرين، لعل أبرز تلاميذه وألمعهم وأكثرهم نبوغا وحضورًا وتفوقًا نجيب محفوظ الذى قال عن الحكيم نصا: «لولا الحكيم ما أدركتُ معنى الفن.. ولا ماهيته وجماله»..
وقال عنه أيضًا «هو الوحيد الذى ارتبطت به وجدانيا وروحيا وعشت معه سنوات طويلة كظله». وحينما مات رثاه محفوظ قائلًا:
«لن أنسى ما حييت كيف غمر حياتنا الأدبية، بين يومٍ وليلة، مفاجأة مثيرة سعيدة بلا مقدمات، فجلس على العرش متوجًا بتسليم وترحاب، مؤيدًا بمبايعة عمالقة العصر كله، واعترافهم بعبقريته وتفرده. منذ ذلك التاريخ فى الثلاثينيات تحول مجرى حياتنا الأدبية من النقد والتاريخ والتعريف إلى «الفن الخالص» بجامع رونقه وجماله وفلسفته.. آمنا بكل يقين أن الأدب ليس الشعر وحده، ولو كان شعر شوقى وحافظ ومطران، وأن المسرحية والرواية والقصة تستطيع أن تسمو إلى مدارج الشعر وسماواته، وأن تمد القلب والعقل بضياء الفن وعمق الفكر ومتعة الروح»..
(3)
ومثل الأستاذ نجيب محفوظ، صديقى الناقد الكبير محمود عبدالشكور، لم يفوِّت مناسبة أتينا فيها على ذكر توفيق الحكيم إلا وتحدث بامتنان فائق عن صاحب «عودة الروح» الذى قرأ له أول ما قرأ مسرحية «نهر الجنون» وحينها أدرك معنى الفن. وقد كانت مسرحيته «أهل الكهف» التى وضعت يده على جوهر الفن وأنه رؤية الفنان وحده، وليس تفاصيل الواقع أو التاريخ..
وهى كذلك المسرحية «التى عرفت من خلال تعليقات أبى على هوامشها أن الأعمال الأدبية الكبرى متعددة المستويات والدلالات.. لولا «أهل الكهف» لتهت طويلا فى عالم الأدب، ولما تذوقت الأدب فى نماذجه الكبرى. أعتبر الحكيم أبى الأول فى اكتشاف معنى الفن، وكتبت كثيرًا عما فعلته بى مسرحية «أهل الكهف» ومسرحية «نهر الجنون».. لقد غيرتا حياتى الى الأبد».
وتكرر الأمر ذاته لدى صاحب هذه السطور الذى لم ينجُ من هذا التأثير (والحمد لله أنه لم ينج!) وقد توقف أيضا أمام روائع الحكيم الكبرى: «أهل الكهف»، و«زهرة العمر»، و«أرنى الله».
وإننى أقرّ بأنه لولا هذا الفنان العظيم ما أحببتُ - بدورى - الأدب والفن وأدمنتُ قراءة القصص والروايات والمسرحيات، ولحسن الحظ فقد قرأتُه فى وقتٍ مبكر، قرأت رائعته «أهل الكهف» قبل أن أدخل الجامعة، وهى التى أدخلتنى إلى عالم السحر ولذة الإبداع ومتعة الأدب، واكتشاف المستويات الأعمق للحياة. ومن بوابة «أهل الكهف» انفتحت أمامى كل أبواب المسرح والرواية والقصة، والأدب عمومًا، بل عرفت معنى المعالجة الفنية للواقع وللتاريخ وللأساطير..
هذا وجهٌ واحد فقط من وجوه توفيق الحكيم الفنان المبدع المسرحى، لكن ثمة وجوها أخرى، ولو حاولنا استقصاء هذه الوجوه فنحن نحتاج إلى أسابيع عدة ممتدة!