صنع السياسة الخارجية فى زمن مضطرب - أيمن زين الدين - بوابة الشروق
السبت 22 أغسطس 2026 7:49 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

صنع السياسة الخارجية فى زمن مضطرب

نشر فى : السبت 22 أغسطس 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 22 أغسطس 2026 - 6:39 م

 يتصاعد الحديث عن سياسة مصر الخارجية فى ظل التحولات العميقة والخطيرة التى تشهدها المنطقة، والتى تعيد تشكيل بيئتها الاستراتيجية وموازين القوة، وتتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة والمياه، بينما تتراجع قواعد وأوضاع كانت تبدو حتى وقت قريب مستقرة وقابلة للتنبؤ.

فقد اتبعت مصر منذ تولى الرئيس حسنى مبارك الحكم فى بداية الثمانينيات منهجًا وجد مبرراته فى سياقه التاريخى، يقوم على تجنب الصدامات والصدمات، وإعطاء أولوية للاستقرار الداخلى والإقليمى، والتسوية السلمية للنزاعات الإقليمية، والحفاظ على علاقات خارجية متوازنة، ولم تخرج عن ذلك إلا عندما شاركت فى حرب تحرير الكويت عام 1991.

استمر هذا المنهج بصورة ما فيما بعد حكم مبارك، غير أن البيئة الاستراتيجية أخذت تتغير على نحو جعله أقل ملاءمة، وهو ما انعكس فى المبادرات المصرية الأكثر حزمًا فى السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بنهر النيل، أو بالتطورات فى ليبيا، وما رافقها من رسائل وإنذارات.

• • •

غير أن الأمر اكتسب أبعادًا أكثر خطورة بعد السابع من أكتوبر 2023.

فقد كشفت الحرب التى بدأت فى ذلك التاريخ عن مقدار الهشاشة التى أصابت منظومة الأمن الإقليمى، وما نشأ فيها من فراغ استراتيجى يشجع القوى المختلفة على التقدم لملئه وفرض واقع جديد، وباستخدام كل الوسائل بما فى ذلك القوة، لإعادة تشكيل المجال الجغرافى والسياسى المحيط بها بما يتفق مع رؤيتها لمصالحها وأمنها ودورها الإقليمى. 

كما أنها كشفت أيضًا عن عدوانية إسرائيل ونواياها التوسعية، بما فى ذلك تجاه مصر، بل والعودة لفكرة إسرائيل الكبرى «من النيل إلى الفرات»، والتطلع إلى الهيمنة الإقليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بالقول إن إسرائيل أصبحت مثل «سبارتا»، الدولة الإغريقية التى اختارت أن تحيا فى حالة حرب دائمة.

فى مناخ كهذا، لا يصبح هدف الاستقرار معادلًا للسعى إلى المحافظة على الوضع القائم؛ كما أن محاولة تجنب مواطن الخطر وعدم أخذ زمام المبادرة يؤدى إلى نتيجة عكسية تمامًا، وهى السماح للآخرين بإعادة تشكيل الوضع القائم وفقًا لمصالحهم.

وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لمصر، لما لها من مكانة خاصة فى المنطقة بحكم حجمها وموقعها، ودورها التاريخى، ووزنها الديموغرافى والسياسى، ولارتباط أمنها القومى ومصالحها العليا بما يجرى حولها فى السودان وليبيا والمشرق العربى، وفى شرق المتوسط والبحر الأحمر، وفى النيل، وإشرافها على قناة السويس، فضلًا عن ارتباط أمنها القومى بالقضية الفلسطينية وما لها من تداعيات أمنية وسياسية واستراتيجية، وهو ما لا يمكنها معه التصرف كدولة إقليمية عادية تستطيع أن تنأى بنفسها عما يحدث فى الإقليم. 

• • •

ومن ثم، لم يعد السؤال هو كيف يمكن لمصر تجنب المخاطر؟ وإنما كيف تستطيع التأثير فى الأحداث والمشاركة الفعالة فى تشكيل النظام الإقليمى على نحو يحفظ مصالحها؟ ولا يكفيها السؤال عما سيفعل الآخرون؟ وإنما أيضًا: ما شكل النظام الإقليمى الذى تريده؟ وما هو مكانها فيه؟ وما الذى عليها فعله حتى لا تجد نفسها أمام نظام تشكلت قواعده وموازين قوته بدونها؟ وكيف تواجه مخاطر هذه المرحلة الحرجة، ولكن أيضًا كيف تقتنص فرصها؟

• • •

ومن هنا، سأحاول طرح بعض الخصائص التى أراها ضرورية لأى سياسة خارجية تستهدف الإجابة على هذه الأسئلة:


أولًا: الأفكار قبل الحسابات

المشكلة الأولى التى تواجه أى سياسة خارجية هى أنها قد تنشغل بالحسابات إلى الدرجة التى تنسى معها السؤال الأهم: إلى أين تريد الذهاب؟

فالدولة تستطيع أن تحسب بدقة قدرتها العسكرية، وإمكاناتها الاقتصادية، وموازين القوى حولها، والتكاليف المحتملة لكل خياراتها، لكنها تظل فى حاجة إلى إجابة عن سؤال سابق على كل هذه الحسابات: ما الذى تريد تحقيقه فى الأساس؟

فالحسابات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تصنع استراتيجية، مثلما لا ينفع سفينة امتلاكها أفضل أجهزة الملاحة، وأدق البوصلات، وقدرتها على تحديد موقعها وسرعتها واتجاهها والمسافة التى قطعتها، إذا لم تعرف الميناء الذى تقصده. 

وهذا هو الفارق بين السياسة الخارجية التى تحكمها أفكار كبرى، والسياسة الخارجية التى تحكمها الأحداث.

ففى الحالة الثانية، تصبح الدولة مشغولة بما يفعله الآخرون. ترد على تحرك هنا، وتحتوى أزمة هناك، وتعدل موقفها وفقًا لتغير ميزان القوى، وتبحث فى كل مرة عن أقل الخيارات تكلفة، دون أن يكون وراء كل ذلك تصور واضح لما تريد الوصول إليه.

أما عندما تكون الأفكار هى نقطة البداية، فإن الحسابات تصبح فى مكانها الصحيح. تحدد الدولة رؤيتها للعالم ومكانها فيه أولًا، ثم تبحث بعد ذلك عن القيود والحدود والمخاطر المرتبطة بخيارتها الكبرى وسبل تجاوزها.

ولهذا فإن الأفكار ليست ترفًا، وإنما هى التى تحدد هوية السياسة الخارجية ووجهتها.

والدول التى تمتلك أفكارًا واضحة عن موقعها فى العالم، وعن مصالحها بعيدة المدى، تستطيع فى كثير من الأحيان أن تحقق نفوذًا يتجاوز بكثير حجم مواردها المادية. وفى المقابل، قد تمتلك دول أخرى قدرات كبيرة، ولكنها تفقد جزءًا مهمًا من تأثيرها لأنها لا تعرف بالضبط ما الذى تريد أن تفعله بهذه القدرات.

ومن ثم، فإن الحسابات ينبغى أن تخدم الأفكار، لا أن تحل محلها.

ثانيًا: الطموح قبل الحذر

الحذر ضرورى، ولا يمكن تصور سياسة خارجية مسئولة من دونه. فالدولة التى لا تحسب المخاطر ولا تقدر بواقعية قدراتها وقدرات خصومها، قد تجد نفسها فى مواجهة نتائج لم تكن مستعدة لها وتدفع أثمانًا باهظة لمواقف كان يمكن تجنبها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحذر من وسيلة إلى هدف.

فإذا أصبح السؤال الدائم هو: ما المخاطر التى يمكن تجنبها؟ بدلًا من أن يكون: ما المصالح التى يمكن تحقيقها؟ تبدأ الدولة تدريجيًا فى الدفاع عن الوضع القائم لمجرد أنه قائم، حتى لو كان يضر بمصالحها على المدى الطويل.

والطموح لا يعنى المغامرة، كما أن الحذر لا يعنى الانكفاء.

وإنما يعنى الطموح أن تكون للدولة أهداف كبرى من مجرد المحافظة على ما لديها، وأن تدرك أن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الفرص التى تضيع اليوم قد لا تعود غدًا.

والتاريخ الدولى حافل بدول خرجت من أزمات عميقة لأنها امتلكت طموحًا تجاوز مجرد البقاء. بعضها خرج من حروب مدمرة، أو عانى من حصار سياسى، أو ضعف اقتصادى شديد، لكنها لم تجد فى ذلك سببًا للتخلى عن طموحاتها، وإنما جعلت من طموحاتها جزءًا من عملية الخروج من الأزمة.

وهنا تكمن نقطة مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها: أن العلاقة بين القوة الداخلية والدور الخارجى علاقة ليست فى اتجاه واحد.

صحيح أن ضعف الاقتصاد أو الاضطراب الداخلى يحد من قدرة الدولة على الحركة الخارجية، لكن النفوذ الخارجى، فى المقابل، كثيرًا ما يساعد على تجاوز مثل هذه التحديات من خلال تعزيز قدرتها على حماية مصالحها، وشحذ الروح فى المجتمع، وتحسين شروط التفاوض، وفتح الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتأمين مصادر الطاقة والمواد الخام، وتوسيع الشراكات.

ومن ثم، فإن انتظار حل مشكلات الداخل قبل أخذ المبادرة خارجيًا الذى قد يبدو منطقيًا، كثيرًا ما يؤدى إلى نتيجة عكسية. فالدولة التى تنتظر حتى تصبح قوية تمامًا لكى تتحرك خارجيًا قد تكتشف متأخرًا ضياع الفرص التى كانت أمامها، وأن الآخرين أعادوا تشكيل البيئة المحيطة بها فى غيبتها.

المطلوب إذن ليس التخلى عن الحذر، وإنما جعله أداة لإدارة المخاطر فى سبيل تحقيق الطموح، وليس ذريعة للتخلى عنه.

ثالثًا: الشجاعة قبل المخاوف

إذا كان الطموح يحدد ما تريد الدولة تحقيقه، فإن الشجاعة تحدد ما إذا كانت مستعدة لدفع ثمن تحقيقه، أو كما قال الشاعر الأندلسى أبو البقاء صالح الرندى:

«يفوز باللذات كل مغامر ويموت بالحسرات كل جبان»

والشجاعة هنا لا تعنى التهور، ولا البحث عن المواجهة، وإنما تعنى شيئًا أبسط وأصعب فى الوقت نفسه: الاستعداد لتحمل تكلفة القرار عندما تكون القضية مرتبطة بمصلحة استراتيجية حقيقية.

فالعلاقات الدولية لا تقدم للدول عادة خيارات بلا تكلفة.

قد يكون هناك خيار مكلف الآن، لكنه يمنع خسارة مستقبلية أكبر، وقد يبدو خيار أقل خطرًا فى المدى القصير، لكنه يسمح بتراكم المخاطر حتى تصبح مواجهتها أكثر صعوب مستقبلًا.

ولهذا فإن الخوف من تكلفة القرار يمكن أن يصبح أكثر خطورة من القرار نفسه.

كما أن المنافسين والحلفاء يراقبون ويختبرون حدود قدرة الدولة على التحمل. فإذا ما تبين أن المخاوف تقيد حركتها، كان هذا مشجعًا للاجتراء عليها. ومؤشرًا على أنها ليست حليفًا موثوقًا.

ومن هنا، فإن الشجاعة المطلوبة ليست شجاعة المواجهة، وإنما شجاعة تحمل المسئولية.

فالدولة التى لا تخشى شيئًا قد تكون متهورة، لكن الدولة التى تخشى كل شىء تصبح عاجزة. وبين التهور والعجز توجد المساحة التى تتحرك فيها السياسة الخارجية الرشيدة.

رابعًا: القيم قبل المصالح

قد يبدو هذا المبدأ للوهلة الأولى متعارضًا مع المنطق التقليدى للعلاقات الدولية، حيث تسعى كل دولة، بصورة طبيعية، إلى تعظيم مصالحها وحماية أمنها وزيادة قدرتها.

لكن المشكلة ليست فى السعى إلى المصالح، وإنما فى ألا يقترن السعى إليها بقيم ومبادئ عليا حاكمة.

فالدولة التى لا تعلى أى مبادئ، أو التى تغير مواقفها ومبادئها مع كل فرصة أو كل تغير فى موازين القوى، قد تحقق بعض المكاسب الآنية، لكنها تدفع فى المقابل ثمنًا لا يظهر فورًا، وهو تآكل الثقة فيها، وتثبيت انطباع أنها دولة انتهازية لا تتصرف إلا لتحقيق مصلحة. 

والثقة ليست قيمة أخلاقية فقط، وإنما هى أحد عناصر القوة فى العلاقات الدولية.

لذا، فإن الدولة التى يعرف الآخرون أن لها مبادئ واضحة، وأنها لا تتخلى عنها بسهولة، تصبح أكثر قدرة على بناء علاقات طويلة الأمد، وأكثر قدرة على إقناع الآخرين بالاعتماد عليها، وعلى بناء التحالفات والشراكات.

وهذا لا يعنى أن السياسة الخارجية ينبغى أن تكون مثالية أو منفصلة عن المصالح. إلا أن السعى إلى المصالح ينبغى ألا يحول دون أن تُعرف بين الدول باعتبارها دولة ذات رؤية ومبادئ، لأن ذلك يمنح سياستها قدرًا من الشرعية، ويساعدها على بناء التأييد، ويجعل الآخرين أكثر استعدادًا للتعاون معها.

ومن ثم، فإن القيم وإن كانت لا ينبغى أن تكون بديلًا عن المصالح، فإنها تظل الإطار الذى تتحرك داخله، والأساس الذى يجعل تحقيقها ممكنًا بشكل مستدام.

• • •

وهذه المبادئ الأربعة لا يمكن فصلها عن بعض.

فـالأفكار تحدد الوجهة، والطموح يحدد الهدف، والشجاعة توفر القدرة على تحمل كلفة الوصول إليه، والقيم تحدد الحدود التى لا ينبغى تجاوزها فى سبيل تحقيقه.

والأفكار من دون طموح تتحول إلى تأملات، والطموح من دون حسابات يتحول إلى مغامرة، والحسابات من دون شجاعة تتحول إلى تردد، والشجاعة من دون قيم قد تتحول إلى قوة منفلتة، أما المصالح من دون مبادئ فقد تحقق مكاسب مؤقتة لكنها تستهلك الرصيد الذى تحتاج إليه الدولة على المدى الطويل.

والدول التى تصنع التاريخ ليست بالضرورة تلك التى تملك أكبر الموارد، وإنما تلك التى تعرف ما تريد، وتملك الطموح لتحقيقه، والشجاعة لتحمل تكلفته، والقدرة على إقناع الآخرين بأن مصالحها لا تتعارض بالضرورة مع مصالحهم.

وهنا تحديدًا تكمن المعركة الحقيقية.

سفير مصر السابق فى إسبانيا

أيمن زين الدين قانوني وسفير سابق
التعليقات