المسألة الألمانية ٢٠٢٤ - أيمن زين الدين - بوابة الشروق
الإثنين 17 يونيو 2024 12:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

المسألة الألمانية ٢٠٢٤

نشر فى : الأربعاء 22 مايو 2024 - 6:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 مايو 2024 - 6:20 م

لم تتأثر سمعة دولة فى العالم بحرب غزة مثلما تأثرت سمعة ألمانيا، بل إننى لا أظن أنها تدرك حجم خسارتها بين دول الجنوب عموما، وفى العالم العربى والإسلامى على وجه الخصوص. فقد جاء موقفها شديد المساندة لإسرائيل ليصطدم بما استقر عنها فى وعى العالم، كدولة تلتزم بقيم العدالة والإنسانية واحترام القانون، وعدم استخدام القوة فى العلاقات الدولية، أكثر من غالبية القوى الغربية. 

صحيح أن أحدا لم يتوقع منها التعاطف مع المقاومة الفلسطينية، ولا أخذ موقع الصدارة فى إدانة إسرائيل، لكن ما سبب الاستهجان الذى نالته هو ذهابها إلى أبعد حد فى تأييدها ومساندتها فى رد فعلها، وتأكيد حقها الكامل فى «الدفاع عن نفسها» كما لو كان هجوم ٧ أكتوبر حدث فى فراغ، أو أنه يعطيها الحق فى فعل ما تشاء. هذا فضلاً عن مقاومتها لاتخاذ الاتحاد الأوروبى موقفا ناقدا لإسرائيل، وزيادة توريد الأسلحة إليها، واتخاذ إجراءات أمنية مشددة فى مواجهة مظاهر التعاطف الشعبى مع الشعب الفلسطينى أو استنكار الممارسات الإسرائيلية، وصولاً إلى الخطوة بالغة الغرابة بإعلان العزم على التدخل إلى جانب إسرائيل فى القضية التى رفعتها ضدها جنوب إفريقيا فى محكمة العدل الدولية.

وصل الأمر بمستشار ألمانيا أولاف شولتز إلى دفع تهمة مخالفة القانون عن إسرائيل بالقول أنها «دولة ديمقراطية، تقودها مبادئ إنسانية للغاية. ولهذا السبب يمكن الوثوق فى أن الجيش الإسرائيلى سوف يلتزم أيضًا بقواعد القانون الدولى فيما يفعله. ليس لدى أى شك فى ذلك». لا أعتقد أن دولة فى العالم تقدمت بمثل هذا الضمان الأخلاقى لتصرفات دولة أخرى، ناهيك عن دولة تتصرف على هذا النحو.

ثم جاء مثول ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة المساعدة فى الإبادة الجماعية وبعض جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب تسليحها لإسرائيل ومساندتها فى حربها فى غزة، حدثا مفعما بالرمزية والمفارقة القاتمة. فها هى ألمانيا «الديموقراطية» تقف متهمة بتهمة عرفتها الإنسانية وأبرمت معاهدة لمقاومتها نتيجة لما ارتكبته هى نفسها فى حقبتها النازية ضد اليهود، بعد أن اختزلت التزامها بعدم تكرار ما جرى فى دعم إسرائيل على طول الخط.

• • •

ارتبطت ألمانيا الاتحادية بعلاقات خاصة مع إسرائيل منذ تأسيسهما فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد ما تعرض له يهود أوروبا من فظائع على يد النظام النازى. فقد قررت ألمانيا الاتحادية (الغربية) فعل كل ما يساعدها على التطهر من هذه التركة ليقبلها العالم كدولة جديدة منبتة الصلة بها، ومن ذلك بناء علاقة جديدة مع يهود العالم، قوامها الاعتراف بالذنب والاعتذار والندم الدائم عليه، وتعويضهم ماليا عن هذه الفظائع. 

سرعان ما انحصرت هذه السياسة بشكل شبه تام فى إسرائيل، التى تعاملت معها ألمانيا باعتبارها الوريث الطبيعى ليهود أوروبا، ودفعت لها وللمنظمات اليهودية القريبة منها على مدى السنوات مبالغ ضخمة لا يوجد حصر شامل ودقيق لها، لكنها تقدر بعشرات المليارات من الدولارات بأسعار اليوم، وأمدتها بدفعات من الأسلحة المهمة منذ سنوات مرحلة تأسيس إسرائيل الحاسمة فى الخمسينيات والستينيات وحتى اليوم.

بلغت أهمية العلاقة مع إسرائيل حد قيام مستشارة ألمانيا السابقة أنجيلا ميركل، فى أول كلمة لمستشار ألمانى أمام الكنيست عام ٢٠٠٨، بوصف أمن إسرائيل بأنه Staatsräson بمعنى أنها «مصلحة قومية عليا» (وليس مبرر وجود الدولة كما يترجمه البعض)، وهو مصطلح يستخدم لوصف المسائل الاستراتيجية العليا التى يوجد اتفاق شامل على أهميتها الحيوية لأمن الوطن.

إلا أن السنوات اللاحقة لذلك فى ولاية المستشارة ميركل شهدت تحولات مهمة فى موقف ألمانيا، بالتوازى مع الانحراف المتزايد للسياسة الإسرائيلية نحو اليمين، وتراجعها عن حل الدولتين، وما صاحب ذلك من جفاء مع الولايات المتحدة فى ظل إدارة أوباما. انعكس ذلك فى مشاركة ألمانيا فى إصدار سلسلة من البيانات مع مجموعة من الدول الأوروبية الرئيسية، تشمل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، انتقدت ممارسات إسرائيل فى الأراضى المحتلة، وفى مقدمتها الاستيطان، كما اتخذت موقفا إيجابيا من تحركات الاتحاد الأوروبى لتمييز منتجات المستوطنات، ولم تعترض على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو فى المنظمة عام ٢٠١٢. وصل توتر العلاقات درجة تمسك وزير الخارجية ألمانيا الأسبق سيجمار جابريال فى زيارة إلى إسرائيل عام ٢٠١٧ بالالتقاء بعدد من المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والفلسطينية المناصرة للحقوق الفلسطينية، حتى بعد أن خيره رئيس الحكومة الإسرائيلى نتنياهو بين هذا اللقاء وبين مقابلته، وهو ما رد عليه الوزير الألمانى برفض استقبال مكالمة من نتنياهو أثناء الزيارة، سعى من خلالها تخفيف وطأة إلغاء مقابلتهما. 

هذه المواقف بدت كما لو كانت بداية لطى صفحة ذلك التاريخ للعلاقات الألمانية الإسرائيلية، بتحريرها من التراث الذى أدى إلى تشوهها واختلال التوازن بين طرفيها، لتصبح ألمانيا قادرة على تبنى سياسة تليق بقوة كبيرة تتحمل مسئوليتها الدولية، وتُمَيِّز بين اليهود كطائفة وبين إسرائيل كدولة. فماذا حدث إذن لترتد الأمور بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣؟

• • •

لا جدال فى أن هجوم المقاومة الفلسطينية على إسرائيل سبب صدمة شديدة فى ألمانيا تعاطفا مع الضحايا، ولكن أيضا قلقا مما يمكن اعتباره نجاحا لتنظيم إسلامى مسلح، وما عكسته من تطور فى تكتيكاته، وهى أمور تُؤخذ باهتمام كبير فى الغرب. كما اقترن الأمر بخوف حقيقى من أن يغرى ارتباك وضع إسرائيل الاستراتيجى فى تلك اللحظة أطرافا إقليمية أخرى بالانضمام إلى المواجهة فتشعل المنطقة كلها، وتهدد مصالح عالمية كبرى، وتحولها إلى حرب وجودية لإسرائيل، قد تصل إلى استخدام أسلحة نووية.

إلا أن موقف ألمانيا له أبعاد أخرى خاصة بها، وهى التى تستدعى اهتمامنا. أولها هو انكشاف أن ألمانيا ما زالت تختزل درس تجربتها التاريخية فى وجوب كسب رضا إسرائيل وتفادى غضبها، حتى لو على حساب ما تعلنه من مبادئ وقيم، فتتصرف كدولة مقيدة بحسابات كثيرة مليئة بالحذر والتردد.

كما أن رسوخ الاقتناع بأن انتقاد إسرائيل ليس إلا تعبيرا عن شعور دفين بكراهية اليهود (وهو اقتناع شائع فى الغرب، ربما لأنه يعكس الواقع هناك)، جعل من السهل أن يتقبل العقل الألمانى إسقاط هذا الفهم على مواقف الأطراف المناصرة للقضية الفلسطينية، واعتبار انتقادها لإسرائيل نوعا من معاداة السامية، كما أعطى المبرر لحظر مظاهر التعاطف مع فلسطين، حتى لا تصبح ستارا لعودة مشاعر معاداة السامية.

لكن الكثيرين ممن يتابعون السياسة الألمانية يرون أن الأمر لا يخلو من تأثيرات المشاعر السلبية تجاه العرب والمسلمين التى تتسع فى المجتمع الألمانى ارتباطا بموجات الهجرة واللجوء، وتنعكس فى صعود الحزب اليمينى المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» AfD الذى يستهدف تلك الأقليات، وتؤثر على مواقف باقى القوى السياسية. حيث صاحب ذلك إمعانا فى إبداء التعاطف مع إسرائيل واليهود، بما فى ذلك فى حزب AfD، كأنه وسيلة ــ بوعى أو بغير وعى ــ لإبعاد تهمة العنصرية عن المشاعر المضادة للعرب والمسلمين. وربما شاب الأمر أيضا شعورا بأن تلطيخ صورة حماس يعزز مشروعية هذه المشاعر.

• • •

رغم كل ما سبق، فإن حرب غزة يمكن أن تصبح نقطة تحول جديدة فى موقف ألمانيا من قضية الشرق الأوسط. يرجع الفضل الأول فى ذلك إلى إسرائيل نفسها، التى ذهبت فى ممارساتها وفى قلة كفاءتها وسوء إدارتها لأمورها، إلى نقطة تجعل الاستمرار فى تأييدها أمرا بالغ الصعوبة، حتى فى ألمانيا. انعكس ذلك بالفعل فى تطور مواقف المسئولين، وانتقادهم تعنت إسرائيل فى السماح بمرور المساعدات إلى غزة، وعدم حماية المدنيين ودخول رفح. كما أن اضطرار ألمانيا إلى المثول أمام محكمة العدل الدولية أثار جدلاً حول كيفية الموازنة بين مسئوليتها التاريخية تجاه اليهود، وبين احترامها للقانون الدولى ودفاعها عن العدالة والشرعية الدولية والحفاظ على سمعتها.

كما يرجع الفضل أيضًا إلى كتل متزايدة من المواطنين الألمان، رفضوا السكوت على ما يجرى فى فلسطين، وعلى مواقف حكومة بلادهم منه، تشمل الكثير من ذوى الأصول العربية، والمسلمين، والشباب، وجمعيات مسيحية، ويهود، ومثقفين، يواجهون بشجاعة غلظة أمنية لا تليق بدولة ديموقراطية تضع احترام القانون وحقوق الإنسان من بين قيمها الأساسية.

إلا أن تعديل موقف ألمانيا يتطلب المزيد، نظرا لأهميتها الكبيرة دوليا، ونفوذها داخل الاتحاد الأوروبى، وقدراتها الاقتصادية والدبلوماسية، ومكانتها الأخلاقية (رغم اهتزازها بسبب موقفها من حرب غزة) والتى تجعلها عنصر ترجيح لمدى الشرعية التى تحظى بها الممارسات الإسرائيلية دوليا.

المشكلة أن الدول العربية أهملت هذه المسألة منذ سبعينات القرن الماضى، وتجنبت مواجهة ألمانيا بخطأ مواقفها والعمل على تغييرها، على أساس أن لديها عذر خاص، أو أنها ليست طرفا مؤثرا فى هذه القضية، الأمر الذى سهَّلَ على ألمانيا مواصلة الانحياز إلى إسرائيل وإعفائها من تكلفته.

والحقيقة أن الثقافة والعقلية الألمانية عموما تحترم الحديث المباشر الصريح، ولا تتورع عن استخدامه مع الآخرين، وتنظر إلى من يتحفظ فى التعبير عن وجهة نظره على أنه يخجل منها أو لا يثق فى سلامتها، بينما تتعامل باحترام مع من يخاطبها بقوة ووضوح ومباشرة. وتجدر الإشارة هنا إلى الاهتمام الذى ناله مقال شجاع ومباشر كتبه أستاذ الاجتماع المصرى الدكتور عمرو على حول الموضوع فى مجلة دير شبيجل الألمانية المرموقة.

تقع المسئولية الأولى فى ذلك على الحكومات بالطبع، التى سيكون عليها التحدث مع ألمانيا بجدية وحزم، وعدم التجاوز عن أى تصرف ألمانى منحاز إلى إسرائيل، والضغط عليها فى الاتصالات الرسمية وفى التصريحات العلنية، لأن هذا يبرز جدية الرسالة، ويوازن الضغوط الإسرائيلية. يتكامل مع ذلك مناقشة الأمر فى الإعلام، ومن المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعى، والأكاديميين، ومراكز الفكر، ومجتمع الأعمال، والتواصل مع مؤيدى الحقوق الفلسطينية فى ألمانيا، وتسجيل التقدير لمواقفهم، والنظر فى إجراءات شعبية تجاه الشركات والمنتجات والتنظيمات المجتمعية والسياسية الألمانية المنحازة إلى إسرائيل، ليس فقط لتأثيراته المادية، وإنما أيضاً لدلالاته الرمزية، كرسالة بأن الانحياز إلى إسرائيل لا يؤدى إلى تنقية سمعة ألمانيا، وإنما يلطخها بالممارسات الإسرائيلية. 

أيمن زين الدين قانوني وسفير سابق
التعليقات